تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الأب لابنه: كم تعبت في تربيتك، وعانيت الأمرين في العناية بك، وسهرت الليالي لمرضك، وهجرت راحتي لراحتك، وضيقت على نفسي في الإنفاق لأوسع عليك، وحرمت نفسي من اللذائذ لأوفرها لك، فإذا جاء زمن تعليمك في المدرسة فكم بذلت جهدي لتنجح، وأنفقت مالي لتكون رجلا، وترقبت النتيجة كل عام في وجل من رسوبك؛ وعلى الجملة إن تعد نعمي عليك لا تحصيها، فقد ضحيت كل شيء لي في سبيلك، وأغمضت عيني عن كل شيء وراء هذه الدار لأجلك؛ أفحين شاب رأسي وضعفت قوتي، وحين صرت رجلا تهدر كل هذه التضحيات، وتكافئ الجميل بالقبيح، والإحسان بالجحود؟

قال الابن: لقد أكثرت يا أبي من ذكر التضحية والإحسان، والجميل والمعروف، فهل فعلت شيئا أكثر مما يجب عليك وعلى كل أب أن يفعله؟ إنك تفسد ما أديت من واجب بالمن به، وتذهب جمال التضحية بذكر اسمها، إنك تريدني أن أكون ذيلا لك أتبعك في حركاتك وسكونك وميولك، فهل هذا يتفق والطبيعة؟ إن زمني غير زمنك، وآمالي غير آمالك، ونظرتي إلى الحياة غير نظرتك، إن الثمرة إذا نضجت فارقت شجرتها، إنني شاب أخضع لقوانين الشباب ويجري في دم الحياة، وتملؤني الآمال وتستهويني المغامرات، فمحال أن تخضع إرادتي لإرادتك، وليس لك مني إلا احترامك وإجلالك، لا بد لي أن أعيش حسب طبيعتي وشخصيتي وزمني وأملي؛ حتى أحقق غرضي أنا في الحياة لا غرضك لي، ولأن أشكرك على أن أبحت لي حرية العمل خير من أن أشكرك على أن تعاملني معاملة طفل كبير يحتاج إلى الرعاية دائما، بل إن تركت لي الحرية فأنا أشكرك وعملي الحر الطليق يشكرك، ويعترف لك بفضل أنك نزلت عن استبدادك وسلطانك، وسايرت الزمن في تغيره الطبيعي وتقدمه المستمر، ثم لا تخش من خطئي إن أخطأت، فسأتعلم من خطئي أكثر مما أتعلم من تحذيرك، وأستفيد من فشلي أكثر مما أستفيد من نصائحك، ولأن أكون رجلا يخطئ خير من أن أكون حجرا لا يخطئ، وليس أضيع من ابن سلبت إرادته، ولو كان السالب لها أباه، ولا أفشل من إنسان أحيط بالرعاية التامة فمنعته الرعاية من أن يجرب بنفسه الحياة، دعني أتعلم السباحة في بحر الحياة، ولا بأس إن غرقت، فسأغرق حتما إن لم أتعلم العوم، وسأغرق احتمالا إن تعلمته.

دهش الأب من هذا الحديث الصريح الجريء، وأطال التفكير.

فانتهزت الأم فرصة هذا السكوت وخاطبت ابنتها: إن موقفي معك موقف أبيك من أخيك ... لقد وقفت حياتي على العناية بك، وكم خفق قلبي حزنا لألمك وسرورا لسرورك وعددتك صورة مني، واتخذتك في الحياة أملي، وأنست بك أكثر من أنسي بأخيك؛ لأنك من جنسي، أعرف شعورك كما أعرف شعوري، وتدور برأسك الأفكار التي كانت تدور برأسي، وتتحركين بالعواطف التي كانت تحركني، وقد اختصصتك بأسراري وآمالي وآلامي، وحرمت نفسي من الخير لخيرك، وتحملت الآلام لراحتك ونعيمك، والآن وقد صرت شابة لم أر قلبك يتناغم مع دقات قلبي، ولا عطفك يساير عطفي، وأرى شخصك في البيت وأحلامك وآمالك خارج البيت، وأرى حبا مني لا يقابل بحب منك، وحناني لا يجازى بحنانك.

قالت البنت: أصارحك يا أمي أني أحترمك أما، ولكن لا تنتظري أن تكوني معقد أملي ومجال حبي، إنك إن تطلبي ذلك تطلبي محالا في الطبيعة، إن كان الحب أنواعا فنوع منه أساسه الاحترام والاعتراف بالجميل، وهذا لك مني، ولكن هناك نوع آخر من الحب أسمى وأرقى وأصفى، وهذا أمنحه لمن يكون زوجي، إن الرابطة بيني وبينك رابطة الدم، والرابطة بيني وبينه رابطة الروح، إني ألجأ إليك حتى ينضج هذا الحب، كما تبقى الثمرة على شجرتها حتى تنضج، وألجأ إليك - لا قدر الله - إذا فشل هذا الحب، ففيك العزاء، سأحافظ على شرفي من أجلي وأجلك وأجل أبي، وسأحافظ على الوفاء لك لمعروفك عندي، ولكن ليس من حقك أن تطلبي مني الحب الروحي الخالص الذي لم تعده الطبيعة إلا للأليف، إذا طلبت إجلالا واحتراما فهذا حق لك جزاء تضحيتك، وإذا طلبت حبا ساميا خالصا روحيا فليس ذلك لك ولا تجابين إليه؛ إذ ذاك لا تتكلمين باسم التضحية ولكن باسم الأنانية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٨١