تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا التقليد من الإنسان لا يزال أمر الطير عجبا أي عجب! فهو يقطع المسافات الشاسعة باحثا عن غذائه ودفئه، فما كان منه في شمالي آسيا يأتي في الربيع إلى مصر، وما كان في شمالي أوروبا يرحل إلى جزائر في البحر الأبيض، أو يعبره إلى إفريقيا، ويرحل أكثر ما يكون ليلا يتقي الأخطار، ويهتدي بالريح وبالشواطئ وسير الأنهار، ويعلو في طيره عن الأرض ميلا إلى ثلاثة أميال، ثم هو يقطع آلاف الأميال عابرا البر والبحر من غير دليل إلا طبيعته، فإذا لم يقتله الإنسان عاد كما جاء إلى عشه مهتديا بذاكرته، فسبحان خالقه. •••

تحسن الطيور إلى الإنسان كثيرا ويؤذيها الإنسان كثيرا، فهل كان الإنسان يستطيع أن يحصل على قوته وزرعه لو لم يعنه الطير على الفتك بدوده وحشراته؟ فمئاتها طعام كل يوم لكل طير من أكلتها، فكيف لو سلطت على مزارع الإنسان ولم تسعفه الطيور فتقضي عليها؟ إذن لرأيت الأرض غطيت بالدود، واكتسحت الزرع وأعقبه فناء الإنسان، لقد أحصى ظريف ما تأكله الطيور من الدود في مقاطعة في أمريكا فكان مليونين ونصفا كل يوم، فقدر حالتها لو تركت وتناسلت، ومع هذا كله جهل الإنسان فضل الطير، واتخذه ملهاة لصيده، ومجالا لقماره، وملعبا لرمايته؛ كان المتوحش يصيد طالبا لغذائه، فأصبح المتمدن يصيد ملأ لفراغه. •••

لقد عجب أوروبي أن الطيور في مصر لا تغني كثيرا، فلك الله أيها العاجب، فلم تغني وكيف تغني ولمن تغني؟ لو رأت ما يسرها لغنت، فالأسى يبعث الأسى، والسرور يبعث السرور، وسعادة الجار تنضح على الجار، ولو ضحك من في الأرض لضحك من في السماء، ولو غنت الطير في مصر كثيرا لغنت حزينا كما غنى الناس حزينا، ولكن تأبى طباعها إذا غنت إلا أن يكون غناؤها مرحا وطيرها فرحا، ففضلت السكوت إلا أن تلح بها الحاجة، وهل سمع الناس - يا أخي - غناءها القليل لتفيض عليهم بالكثير؟ إنهم في شغل عن جمال الطبيعة بتزييف الصناعة، وعن غناء السرور بغناء الحزن، وعن النداء العالي بالنداء السافل، وعن التسامي بالتدلي؛ فيوم يبتهج أهل الأرض يبتهج أهل السماء، ويوم يسعد السكان يغني الطير، ويوم يتسامى الناس تعلو أغراضهم وتطير نفوسهم، فتحاذي الطير ويحدو لها فيمرح كثيرا ويغني كثيرا. •••

ولفخر للطير عظيم أن تخلق الملائكة خلقته، وتعار أجنحته

الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير .

الفصل الثالث

| حوار في أسرة

كانت أسرة وسطا, لم يفسدها الفقر, ولم يبطرها الغنى؛ تتمثل فيها الإنسانية بصفوفها, فأب وأم وابن وبنت؛ كان الأبوان من الجيل الماضي بأخلاقه وميوله, وتقاليده وعقائده, يكرهان البهرجة والرياء, ويغاران على سمعتهما كل الغيرة, ويحرمان على أنفسهم كل اللذائذ إلا ما أحل الله, ويدبران مالهما على قدر مطالب الحياة, ولا يسمحان لأنفسهما أن يقترضا لأى سبب وفي أي ظرف .

حتى شب الابن وشبت البنت في ظروف غير ظروفهما, وحياة غير حياتهما وجيل غير جيلهما، نشأ بين أغاني الراديو ومناظر السينما ومشاهد التمثيل, وفي بحبوبة الحرية وبهرجة السفور والاعتداد بالشخصية, ونظرا إلى أبويهما نظرهما إلى التاريخ القديم وآثار القرون الوسطى, تحترم لقدمها لا لصالحيتها, وتبجل لدلالتها على زمنها لا لرقيها، ونظر الأبوان إليهما نظر الآمل ضاع أمله, والسلطان خرج الأمر من يده, والمربي فشل في تربيته؛ فهم إن جمعتهم أسرة فأهواؤهم متفرقه وقلوبهم موزعة وآراؤهم متباينة, وإن ضمهم بيت واحد فلضرورة الحياة لا وحدة المشرب. •••

كانت ليلة سعيدة تلك التي اجتمعوا فيها على مائدة المنزل يتصالحون بعد خصام، ويتعاتبون بعد نفار، ويتصارحون بعد الكتمان، وحضر وليمة الصلح قريب للأسرة يحترمه الجميع لسعة عقله وصدق نظره وحسن حديثه، قد منحته الطبيعة ما منحت البلسم لمداواة الجروح وما منحت الدواء لشفاء الداء، متقدم في السن ولكن عقله من عقول المستقبل لا الماضي ولا الحاضر، خبير بالماضي بما قرأ، وبالحاضر بما شاهد، وبالمستقبل بما استنتج، له جاهه في المنصب وجاهه في المال وجاهه في العلم وجاهه في الخلق، فإذا تكلم أنصت الجميع وأطاع الجميع، رأيه الحق وقوله الفصل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٨٠