أمامي الآن يمامتان ظريفتان حقا، سكنتا بالقرب من غرفة نومي، ما أجمل غناءهما، وخاصة في الفجر إذا شعشع النور، وما أرشق حركتهما، لا عيب فيهما إلا أني آنس بهما ولا تأنسان بي، وأحن إليهما وتفرقان مني، ما ألطفهما وألطف نوعهما وألطف الحمام كله! لقد كان ذوق رسول الله (
صلى الله عليه وسلم ) ظريفا حقا؛ إذ روي أنه كان يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام الأحمر، وشكا إليه «علي» الوحشة فقال له: «اتخذ زوجا من حمام تؤنسك وتوقظك للصلاة».
ظريف هذا الحمام كل الظرف! غزله علم الإنسان الغزل، يدعو فتتمنع، ثم تجيب وتلوي عنه عنقها ، «ثم يتعاشقان ويتطاوعان»، ثم ما شئت منه من رشف وتقبيل، ثم ما شئت منها من تيه ودلال، ثم ما شئت منهما من فرح ومرح بالوصال.
ثم هو لطيف في حنانه على ولده، أرأيت كيف يقلب بيضه حتى تنال جوانب كل بيضة حظها من حرارته وحضنه؟ أو رأيت تعاقبه ذكرا وأنثى على رعاية بيضه وفرخه في الحضن والتغذية؟ أو هل رأيت عنايته بعشه كيف يتخير مكانه، وكيف يتخير عيدانه ثم ينسجها نسجا متداخلا؟ وكيف يهندسه ليحفظ البيض من التدحرج، ثم يتعاون الذكر والأنثى على العش: «يسخنانه ويطيبانه وينفيان عنه طبعه الأول، ويحثان له طبيعة أخرى مشتقة من طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما ... لكي تقع البيضة إذا وقعت في موضع أشبه المواضع بأرحام الحمام»
1 ؟
ليت كل أسرة تربي في بيتها حماما وترقب عيشته، فيتعلم منه الآباء كيف تكون العناية، وكيف يكون الحنان، ويتعلم منه الأبناء كيف يجازون جهد الآباء وتضحيتهم. •••
لتمنيت أن تكون الطيور كالأزهار، آنس بها وتأنس بي، وأكون بجوارها وتألف جواري، ولكنها سيئة الظن بالإنسان جدا، ولعلها وحدها التي عرفت حقيقة الإنسان فهربت منه، وأبت أن يكون بينها وبينه رابطة، تحوم حوله في حذر، وتمس أرضه في وجل، وتفضل حياتها القليلة - تتعب في البحث عنها - على القرب منه، وإن كان معه شبعها وريها، أنفة منه، وكراهية له، وضنا بحريتها وطلاقتها.
هل عرفت بغريزتها طبيعته ففرت منه ابتداء، أو سالمته وأنست به، فلما جربته ورأت أنانيته وسوء سلوكه رسمت خطتها في البعد عنه؟ أقرب ظني أنه الوجه الثاني، فإنها تأنس ببعض الحيوان الذي لا يؤذيها، ويذكر بعض الرحالين أنهم نزلوا في جزيرة لم ينزلها قبلهم إنسان، فرأوا طيورها تألفهم وتطير عليهم وتأكل من الحب في أيديهم، وهذا حمام الحرم أمن شر الإنسان فاستأمن، وأنس به الإنسان فاستأنس، فلولا ما رآه قديما، من مطاردة الإنسان ومحاولاته نصب الشباك له والإيقاع به بكل الأشكال، واستلذاذه قتله، وتعلمه الرماية فيه، وتصويب أسلحته عليه؛ ما ذعر من الإنسان هذا الذعر، ثم هو قد رآه خائنا غادرا، غفر له أولا أن كان جائعا فصاده ليأكله، فكيف يغفر له أن رآه شبعان ثم يصيده لمجرد اللذة في قلته؟ وعجب كيف يكون مجرد القتل لذة، فعد الإنسان - بحق - أعدى أعدائه، ولم يقرب منه للضرورة إلا وترتعد فرائصه، وأسر الآباء للأبناء هذا السر الرهيب؛ فما رأى طائر إنسانا إلا واستحضر هذا السر وأدركه الفزع منه. •••
من عظمة الطير أن الإنسان سهل عليه أن يدرك مزايا الحيوان فيقلدها وينتفع بتقليدها، تعلم من الأسد شجاعته، ومن القرد كياسته، ومن الحرباء تلونها، ومن الذئاب خداعها، ومن الثعالب روغانها، ومن النحل مهارتها في صناعتها، ومن النمل جده وادخاره ... إلخ، ولكن مرت آلاف السنين، وهو يعجب من الطير كيف يطير، وحاول تقليده فلم ينجح؛ وأخيرا جدا بعد أن شاب الزمن اهتدى إلى سر طيرانه فطار، وليته لم يطر؛ فقد عاش الطير منذ خلق وهو يطير من ظلم الإنسان، ولا يظلم الإنسان، ويطير جمالا ولا يطير قبحا، ويطير سرورا إلى عشه، وحنينا إلى إلفه، وطلبا في رزقه، فلما طار الإنسان لون طيرانه بشره فخرب ودمر، وسفك وأهلك، وكره إلينا السماء والقمر، وطأطأ رءوسنا مما لزمنا من عار وخجل! فيا لله للإنسان!