تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يسلم أحد من لطمة القدر لعلل لم ندرك أسرارها ولا الغرض منها، والحياة طريق مملوء بالأشواك لا يسلم مار من أن يشاك بها، ومهما اختلفت المسالك فستنتهي بالنتيجة المحتومة، بالموت، إليه ينتهي كل سالك من ملك وصعلوك، وبه تتحلل كل كمية من اللذة والألم إلى صفر.

ثم إن هذا الطريق - طريق الحياة - امتحان شاق للسالكين؛ فمنهم من يجتازه في خوف وضعف، كلما مسته شوكة صرخ وتحطمت نفسه وسقط من الإعياء؛ ومنهم من يجتازه في شجاعة وقوة واحتمال، فمهما أصابه فإنه يركن إلى ركن ركين من قوة نفسه وحكمته وروحانيته.

لا شيء يضيء هذا الطريق الشائك المظلم إلا طهارة النفس ونور القلب وسمو الروح؛ إن أضاء القلب بدد ضوءه ضباب الطريق، وإن طهرت النفس انسجمت مع العالم، وإن سمت الروح لم تعد المادة إلا جسم الشمعة لا نورها، وغمد السيف لا نصله، وجذع الشجرة لا ثمرتها ولا زهرتها، فلا يأبه كثيرا بالحوادث، ولا تحطمه الكوارث، إن مسه الخير فليس منوعا، وإن أصابه الشر فليس جزوعا.

الفصل الثاني

| مع الطير

من نعم الله علي أن غنيت حديقتي الصغيرة هذه الأيام بالطيور، فهذه شجرة - لا أدري السر فيها - جذبت العصافير الكثيرة إليها، فهي في حركة دائمة حولها وفيها؛ وهذه بعض زوايا البيت عشش فيها اليمام يغرد من حين إلى حين بصوته الشجي الجميل، ولوددت أن أتخير من الطيور أجملها وأظرفها وأضعها في أقفاص تحت سمعي وبصري، أستمتع بجمال شكلها وجمال صوتها، لولا ما يؤلمني من حبسها.

هي أحب الحيوان إلي وأقربه إلى قلبي، وهي تقوم في عالم الحيوان مقام الأديب والفنان في عالم الإنسان؛ جمال في شكلها، جمال في هندامها، جمال في غنائها، مرح في حياتها، ظرافة في بناء عشها، حنان في حبها لأولادها. •••

أبرز شيء فيها عواطفها، فهي تغني استجابة لعاطفة، وتمرح لعاطفة، وتتحبب لجنسها وأولادها لعاطفة، وبحق علمت الإنسان الأول أن يواري سوءة أخيه بعد موته، فقال:

يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ، كما علمته درس الحرية، ولقد كان حرا مثلها ثم أباح لنفسه أن يغل غلا بعد غل، فلما استثقل حمل الأغلال أخذ يجاهد في فكها قيدا بعد قيد ولما ينجح، وغار من الطير فأخذ يحبسه حبس نفسه، ويتحين الفرص لصيده وتكبيله، فما يجد الطائر فرصة للفرار حتى يهرب، ولو كان قفصه من ذهب، وحبه أغلى حب، وشرابه ماء الورد، ضنا بحريته أن تباع بأي ثمن، وأن تسترق بأي جزاء، وحافظ على حريته من مبدئه إلى منتهاه ، لا كالإنسان الأبله يرضى بالقيود، ثم يبذل في فكها الجهود، وما كان أحراه ألا يقيد ولا يفك، وقديما حكوا أن رجلا كان يدعو: «ربنا أدخلنا بيوت الظالمين وأخرجنا منها سالمين»، فأجابه آخر: «وما أدخلك وما أخرجك!». •••

حلوة الغناء، تغني حبا، وتغني سرورا ومرحا؛ تغني سرورا في موسم الوصال، وتغني أسى وضنى وحزنا يوم الفراق، وكم وددت أن يسجل صوت الطيور وأغانيها على أسطوانات أو على شريط الراديو حتى أكررها على سمعي كلما شئت، فهي أفعل في نفسي من كثير من أغاني الإنسان؛ ولكن لا، لست أريد حبسها ولا حبس أصواتها، فلتكن حرة في كل شيء لها، ولو حرمت الاستمتاع بها وبأصواتها.

إن موسيقاها متنوعة تنوع نغمات البيان، علوا وانخفاضا، ورقة وغلظا، وقوة وضعفا، تغني إذا هاجت عواطفها ليلا أو نهارا، وما أحلاها وهي تغني فتقفز من شجرة إلى شجرة، ومن سطح إلى سطح، مندفعة في طيرانها بشكل كله خفة ورشاقة! لقد حرمنا دقة الملاحظة فحسبنا أن كل أصواتها سواء، وأن غناء كل نوع منها متشابه؛ ولكن ما أبعد هذا عن الحق، فهي تغني مناغاة للحب، وتغني محذرة من خطر، وتغني سرورا بحياة الربيع، وتغني دعوة إلى الرحيل، وتغني حزنا على فقد حبيب؟ فما أكثر أغانيها وما أغبانا في فهمها! لغاية مغنينا أن يكون «بلبل الشرق»، وغاية أديبنا أن يكتب «هدية الكروان» و«دعاء الكروان». •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٧٨