تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بهذه النفس - المتكونة تحت ظروف خاصة من وراثة وبيئة - ينظر الإنسان إلى العالم، فليس ينظره كما هو، بل ينظره من خلال نفسه، كمن يضع على عينيه منظارا أسود أو أصفر أو أزرق، فهو ينظر الدنيا من خلاله بلون نفسه، ويفسر الأحداث تبعا لمنظاره، ويقوم الأشياء بميزان شخصيته، وينظر إلى الأعيان لا حسبما هي في الخارج، ولكن حسبما لونتها نفسه، كالثوب تغمسه في لون من الصبغ فيظهر بلون ما صبغته، وكزجاجة المصباح تظهر نوره أحمر أو أزرق، حسب لونها لا حسب لونه، والفيلسوف والأبله تقع عيناهما على شيء واحد، فيرى الفيلسوف فيه معاني جمة، ولا يرى فيه الأبله شيئا، وليس عيبه في عينه ولكن في نفسه، والعالم وكلبه ينظران إلى صفحة في كتاب، هذا ينظر فيفهم، وهذا ينظر ولا يفهم.

من أجل هذا اختلف الناس في حكمهم على الأشياء وفي تذوقهم لها، وفي سلوكهم نحوها، ومن أجل هذا آمن المؤمن وكفر الكافر، ومن أجل هذا نبل النبيل، وسخف السخيف، وصلح الصالح، وفسد الفاسد.

فالمنظور واحد ولكن الناظر متعدد، والحق واحد والآراء مختلفة.

قد يبالغ الإنسان في تقويم نفسه - وهو الأغلب - فيمنحها من الأهمية في العالم ما ليس لها في الحقيقة، ويرى كأن الدنيا لا تنتظم إلا به، ولا تسير إلا بنفسه، وإنه - في حقيقة أمره - ليس إلا ملكا متخفيا، ويبالغ الصوفي في احتقار نفسه، فهي ليست شيئا، ولا قيمة لها في حياتها أو مماتها، ثم ينظر كل من هذا وذاك إلى العالم على أساس هذا الاعتقاد، ويختلفان اختلافا تاما في تقويم الأشياء، وقل من يعرف نفسه على حقيقتها، ويقومها حق قيمتها.

ثم خداع النفس هذا قد يكون عاما، وقد يكون خاصا كالجنون، بعضه كلي وبعضه فرعي، فيحدثنا الأطباء أن من المجانين من هو مجنون في كل شيء، ومنهم من هو مجنون في شيء خاص، فهو عاقل في كل شيء، ولكنه يعتقد أن له إصبعا من زجاج، أو هو إنسان مألوف في كل شيء إلا في عقيدته أنه ملك سلب ملكه ونحو ذلك، وهذا هو الشأن في النفوس، قد تخدع النفس نفسها في كل شيء، في العلم والمال والخلق، وقد تكون عاقلة حكيمة، إلا فيما يتصل بعظمتها، فهي لم تتبوأ مركزها في الوجود، ولم يقدر الناس ما لها من قيمة، وقد يكون خداع النفس منصبا على الشئون المالية وحدها، فهو حريص كل الحرص، يخدع نفسه بالخوف من الفقر، والخوف من الاغتصاب، وهكذا الخداع فنون، كما أن الجنون فنون، وكل الناس خادع لنفسه، ومخدوع بنفسه، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم.

1 - من صور الحياة‏

2 - مع الطير‏

3 - حوار في أسرة‏

4 - سلطان العلماء (1)‏

5 - سلطان العلماء (2)‏

6 - سلطان العلماء (3)‏

7 - نظرة في الكون‏

8 - أول ثورة على التربية في مصر‏

9 - في الهواء الطلق (1)‏

10 - في الهواء الطلق (2)‏

11 - قصتان طريفتان‏

12 - الربيع‏

13 - المتنبي وسيف الدولة (1)‏

14 - المتنبي وسيف الدولة (2)‏

15 - فلسفة القوة في شعر المتنبي‏

16 - تحية العيد‏

17 - رد الصديق‏

18 - فارس كنانة (1)‏

19 - فارس كنانة (2)‏

20 - فارس كنانة (3)‏

21 - فارس كنانة (4)‏

22 - ألعصا أم القضا؟‏

23 - العلم والدين1‏

24 - الإيمان بالله‏

25 - الحياة الأخرى‏

26 - مستقبل الدين‏

27 - ابن الشبل البغدادي وأبو العلاء المعري‏

28 - نزعة صوفية ومزاج رمزي (1)‏

29 - نزعة صوفية ومزاج رمزي (2)‏

30 - نزعة صوفية ومزاج رمزي (3)‏

31 - ست النساء1‏

32 - الخوف‏

33 - الأدب الاجتماعي‏

34 - جمال الدين الأفغاني‏

35 - حب الهجرة‏

36 - بساطة العيش‏

37 - في المدرسة‏

38 - في الهواء الطلق (3)‏

39 - أدب الابتهال‏

40 - محمد رب بيت‏

41 - ثلاث رسائل للمؤلف‏

1 - من صور الحياة‏

2 - مع الطير‏

3 - حوار في أسرة‏

4 - سلطان العلماء (1)‏

5 - سلطان العلماء (2)‏

6 - سلطان العلماء (3)‏

7 - نظرة في الكون‏

8 - أول ثورة على التربية في مصر‏

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٧٥