9 - في الهواء الطلق (1)
10 - في الهواء الطلق (2)
11 - قصتان طريفتان
12 - الربيع
13 - المتنبي وسيف الدولة (1)
14 - المتنبي وسيف الدولة (2)
15 - فلسفة القوة في شعر المتنبي
16 - تحية العيد
17 - رد الصديق
18 - فارس كنانة (1)
19 - فارس كنانة (2)
20 - فارس كنانة (3)
21 - فارس كنانة (4)
22 - ألعصا أم القضا؟
23 - العلم والدين1
24 - الإيمان بالله
25 - الحياة الأخرى
26 - مستقبل الدين
27 - ابن الشبل البغدادي وأبو العلاء المعري
28 - نزعة صوفية ومزاج رمزي (1)
29 - نزعة صوفية ومزاج رمزي (2)
30 - نزعة صوفية ومزاج رمزي (3)
31 - ست النساء1
32 - الخوف
33 - الأدب الاجتماعي
34 - جمال الدين الأفغاني
35 - حب الهجرة
36 - بساطة العيش
37 - في المدرسة
38 - في الهواء الطلق (3)
39 - أدب الابتهال
40 - محمد رب بيت
41 - ثلاث رسائل للمؤلف
| فيض الخاطر (الجزء الرابع)
| فيض الخاطر (الجزء الرابع)
| مقالات أدبية وإجتماعية
تأليف
أحمد أمين
الفصل الأول
| من صور الحياة
وسط في ثقافته وعقله، وسط في خلقه، ولكن آتاه الله بسطة في المال، وقوة في الجاه، وحظا في مباهج الحياة، له المزارع الواسعة بحيواناتها وآلاتها، تغل عليه خيراتها، وله القصر الفخم على البحر يتخذه مصيفا، وعلى حافة الصحراء يتخذه مشتى؛ ما اشتهى شيئا إلا كان لديه حاضرا، فالمال لا يعز عليه شيء، كل الناس مسخرة له، تنفذ إشاراته وتمجد إرادته، سواء منهم من انتفع بغناه ومن لم ينتفع، طلبه نافذ بين رجال الحكومة لجاهه، وفي بلده لماله، وعند من لم يعرفه لمنظره الفخم ورنة صوته التي توحي بالعظمة والسلطان، استطاع المال أن يجعل منه «باشا»، وأن يتخذ منه عضوا في البرلمان، على اختلاف الحكومات في ألوانها ومذاهبها، تخالف قوانين الري لسقي أرضه، وتعطل اللوائح لتحقيق غرضه، ويقف تنفيذ الأحكام عليه خوفا من بطشه.
لم تستطع رغباته الكثيرة، ولا مطالبه الوفيرة، ولا نفقاته الواسعة أن تنقص شيئا من ماله، بل كل سنة يشتري أرضا جديدة وأسهما في الشركات جديدة.
ولم يذق يوما طعم الحاجة ولا ألم الدين، ولا تمنى شيئا ثم لم يجد من المال ما يسعفه، بل إن حق له أن يشكو شيئا فهو أنه يأكل في الحياة من مائدة فخمة دائما ليس فيها توابل، وينعم دائما نعمة لم يلونها الشقاء.
ثم تزوج فسعد في زواجه سعادته في ماله، ضم بزواجه مالا إلى مال، وجاها إلى جاه، ونعيما إلى نعيم، ورأى في زوجته ما يتمنى من جمال ومن خلق ومن ذوق.
تكشفت له الدنيا عن صورتها الجميلة، وحجبت عنه كل نواحيها السيئة، فكان يعجب من شكوى الناس ومن ذم الدنيا، ويقيس كل شيء بمقياسه، فيرى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ ويعلل شكوى الناس بسوء طباعهم؛ وفقرهم بقلة عقلهم، وألمهم بضيق نظرهم. •••
لم يرزق من الدنيا إلا ابنا واحدا وضع فيه كل أمله، ومنحه كل عنايته ورعايته، حتى شب كأحسن ما يكون الشباب صحة وثقافة وخلقا.
أخذته الحمى فارتفعت حرارته، وذبل جسمه، واصفر وجهه، وغاب عقله، وبذل الأب كل ما يستطيع لنجاته؛ هؤلاء أشهر الأطباء، وهذا أعز الدواء، وهؤلاء الممرضات ينفذن التعاليم في دقة وإحكام، وهذا كل ما يستطاع وما لا يستطاع لإنقاذه.
وينظر الأب إلى مزارعه الفسيحة ودنياه العريضة فيراها أضيق من سم الخياط.
يتمنى أن لو جرد من كل ثروته، ومن كل صحته، ومن عينيه يبصر بهما، وأذنيه يسمع بهما، ليبرأ ابنه من المرض، وينجو من الموت، ويرجو أن يكون سائلا يتكفف الناس، ومعدما لا يجد قوت يومه، ومسكينا لا يملك من الدنيا إلا ثوبه المهلهل يستر جسمه، ثم يشفى ابنه.
ويود أن لو كانت الصحة توهب فيهبها له، والحياة تمنح فيخلعها عليه، ويتشهى أن يفقد كل نعم الدنيا لينعم - فقط - بابنه صحيحا بجانبه.