تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا كان شأنهم فيما عرض عليهم من العالم ومن الدين ومن الأدب، وهكذا كان شأنهم فيما أنتجوا من دين وأدب - عاشوا في حلم لذيذ من حب وتضحية، ونعموا بما قرءوا في العالم من رموز، وأخذوا أدب الأدباء وشعر الشعراء فنقلوه إلى أحوالهم ومقاماتهم، فطربوا لشعر مجنون ليلى وأبي نواس وفسروه بليلاهم وخمرهم، فلما شعروا هم أسبغوا على شعرهم من معانيهم ورموزهم، فكان لنا من ذلك كله نوع من الأدب طريف، أرجو أن أعرض لتفصيله فيما بعد.

| خداع النفس

هل علمت أن العين تخدع فتريك الشمس في حجم الرغيف، والقمر في مقدار الكرة، والنجم كجذوة نار، وتريك المتساويين غير متساويين، وغير المتساويين متساويين، وهكذا الشأن في الحواس كلها، يخيل إليك أنك تسمع ما ليس له وجود، ولا تسمع ما له وجود، وتغمس إحدى يديك في ماء بارد والأخرى في ماء حار، ثم تغمسهما في ماء دافئ، فتريك الأولى أن الماء حار، وتريك الأخرى أنه بارد، وهكذا من أمثلة لا تعد ولا تحصى؟

وهل علمت أن الناس يخدعون الناس، فيحتال محتال ويهرج مهرج، ويظهر الرجل بمظهر السياسي الكبير، وليس في حقيقته سياسيا ولا كبيرا، ويظهر الآخر بمظهر العالم المحقق، وليس عالما ولا محققا، وتمر أمام أعيننا مناظر من الخداع لا عد لها، تشبه الحاوي في لعبه، والممثل في روايته؛ غني يتصعلك، وفقير يتغنى، وعيي يتفاصح، وماجن يتواقر، وفاسق يتصالح؟

ليس هذا ولا ذاك شيئا بجانب خداع النفس للنفس، وكذب النفس على النفس. هذا كل إنسان تقريبا يستصحب نفسه منذ صباه وشبابه، فلا يقر بشيخوخته وهرمه، فيرى نفسه شابا مهما تجعدت أسارير وجهه، ومهما دب الضعف في جسمه.

وهذه المرأة - دائما - تخدع نفسها بالجمال وبالصغر، مهما حسبت عمرها، ومهما رأت كبر أبنائها وبناتها، ومهما نظرت في مرآتها، فترى آية القبح آية جمال، وتقرأ علامات الكبر علامات الصغر، وتغالط نفسها في عمرها، لا خداعا للناس فحسب، بل خداعا لنفسها أيضا، حتى لتؤمن بما كذبت، وتصدق بما ادعت، وتجعلها حقيقة ما توهمت.

وهؤلاء المؤلفون والمصورون والموسيقيون والأدباء والشعراء، يرون أجمل ما في الوجود ما ألفوا، وخاصة آخر ما أبدعوا، والفنانون بما منحوا من خيال واسع وتصور عريض يستعملون خيالهم في نتاجهم، فيتخيلون أنه بعيد المنال، قد بلغ حد الكمال، إن نقص أسلوبه فهو بديع المعاني، وإن أعوزته الحقيقة فهو بديع الخيال، وعلى كل حال فهو وليد النبوغ، تتجلى فيه العبقرية ويمتاز بالسمو، إن عابه الناس فالعيب في ذوقهم، وإن نقدوه فالفساد في ميزانهم، يأكل قلوبهم الحقد، وتفسد حكمهم الغيرة.

سبحان الله! حتى مشتري السلعة - ومثلها عند البائع كثير - لا خير مما اشترى ولا أجود مما اقتنى: سجائره أحسن السجائر ولو رخصت، وثيابه خير الثياب ولو عيبت، والتاجر إنما اصطفاه بها؛ لأنه صديقه، وأكرمه في ثمنها؛ لأنه يحرص عليه، وفستانها خير الفساتين؛ لأنه اختير بذوقها، وخيط بإرشادها، إن عيب الشيء بنسجه اطمأن الشاري لحسن منظره ورخص سعره، وإن عيب بمنظره اعتذر بحسن نسجه وقوة متانته، كالمرأة لم يعجب منظرها فتعزت بخفة دمها، وطعن في خفة دمها فاحتكمت إلى منظرها.

ما أظلم النفس تنقد الصغير في غيرها ولا تنقد الكبير في نفسها، وتزن بميزانين، فتبالغ في تحري العيوب إذا وزنت لغيرها، وتبالغ في تحري المحاسن إذا نظرت إلى ذاتها! ف

ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . •••

في السنين الأولى من حياة الطفل - وخاصة الثالثة والرابعة - يبدأ يشعر بذاته، وتبتدئ في الظهور شخصيته، ويأخذ رويدا رويدا يحدد موقفه من العالم، وتظهر عليه الأعراض الأولى منبئة بما سيصير إليه شأنه مع الدنيا، من تشاؤم وتفاؤل، وأمن أو خوف، وأنس أو وحشة، وأهم من ذلك التفاته إلى نفسه وشعوره بها، وإعظامه لها، واهتمامه بشأنها، وهذه النظرات الأولى لنفسه ولعالمه تكاد تلازمه طول حياته، وتحدد نوع أخلاقه مع ما يدخل عليها من تعديل بعوامل التأثير.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٧٤