تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جرى العالم الأوربي - إلى عهد قريب - على تنحية المسلمين وإبعادهم عن أن يشتركوا في البناء، ورسم خطة محدودة نحوهم، هي خطة المالك للعمال في مزرعته، وخطة صاحب رأس المال للمنتجين في مصنعه، لا خطة تعاون أصحاب رءوس الأموال، ولا خطة الشركاء في الإنتاج.

لقد غزا العالم الأوربي في القرن الماضي العالم الإسلامي بكل قواه، وبعبارة أخرى غزت قارة أوربا الممالك الإسلامية في آسيا وأفريقيا واستعملت في إخضاعها كل أسلحتها، فالمبشرون ينظمون قواهم لنشر دعوتهم في البلاد الإسلامية، ويتخذون لذلك المستشفيات والمدارس والملاجئ ستارا لنشر دعوتهم، والملحدون يدعون إلى الإلحاد، وينشرون آراءهم في لباقة ومهارة، عارية صريحة، أو تحت ستار من ألوان براقة خداعة، ويأملون أن يتحرر المسلمون من دينهم، فإن ظفروا بذلك فقد ظفروا بنصف المكسب، ورجال السياسة يضعون الخطط لإذلال المسلمين وتحكيم دولهم فيهم، وتسيير الآلات الحكومية في الدول المستعمرة لخدمة الاستعمار، حتى لا يخرجوا قيد شعرة عما رسموا، ولا يفكروا في غير ما خطوا، ورجال الحرب ينفذون ما تشير به السياسة، فمن حدثته نفسه أن يفتح فاه في غير مصلحة الحاكم المستعمر فالويل له، ورجال الاقتصاد من وراء رجال السياسة يدرسون الحالة الاقتصادية للمسلمين دراسة عميقة، ويضعون الوسائل لاستغلالها في مصلحة أممهم، لا مصلحة من يستعمرونهم، فإن عجزوا عن تنفيذها اقتصاديا نفذوها سياسيا أو حربيا، وهكذا.

كان هذا كله، وأكثر من هذا كله، والمسلمون - كانوا - في شغل عن أمورهم، ترضيهم لعب كلعب الأطفال، ويسر كبارهم أن يطعموا أرفه الطعام، ويلبسوا أنعم الثياب، ولا يعنيهم من أمتهم إلا أنفسهم وأولادهم، ثم كانوا - كذلك - كالأطفال في عدم استطاعتهم إدراك المعاني المجردة، فالطفل لا يدرك أبوة ولا أمومة، وإنما يدرك أبا أو أما.

فكذلك هؤلاء، كانوا لا يدركون المعاني وإنما يدركون الأشخاص، فالفكرة لا تقدر في ذاتها، وإنما تقدر بقائلها، ويكفيهم في هذا المجال التنازع على فتات السلطة التي خلفها لهم المستعمر من موائده، والتنازع على الجاه والتنازع على العرض، وكلمات الصالح العام، ومصلحة الأمة، وخير البلاد، ونحو ذلك، كلمات جوفاء تقال على أفواههم ، ولم تسكن قلوبهم، وتقال للتنكيل بخصم سياسي أو للقفز بها إلى الحكم، فإذا حكموا كانوا كسابقيهم، جعجعة ولا طحن، وقول ولا عمل! •••

مضى على هذه الحال أعوام وأعوام، حتى بدأ النائم يستيقظ، وعمل على هذه اليقظة عوامل، من أخطاء ارتكبها الساسة في الحكم، ومن تعاليم أتت مع المدنية الحديثة، ومع الفاتحين في نظم الدولة وحقوق الإنسان، فتسربت إلى القادة، وتقطرت منهم إلى العامة، ومن مبادئ إنسانية عامة أعلنها قادة السياسة في الحرب العظمى، تبين حقوق الإنسان، أو تستعطف الأمم للدخول في صفها، أو تدعو إلى السلم، إلى غير ذلك من أسباب لا أطيل بذكرها.

غير أني لا أنسى هنا أن أذكر بالفضل قوما من المنصفين الأوربيين، وقفوا للدفاع عن الإسلام وعن المسلمين، واستطاعوا بأقوالهم وخطبهم وكتبهم أن يعدلوا كثيرا من الرأي العام الأوربي، فلم يعد الإسلام في نظر كثير منهم - كما كان - ذلك الدين الذي ينفث العصبية والحقد، ولا ذلك الدين الذي لا يصلح للعالم الحاضر ويجب أن يسرع في القضاء عليه قبل أن يموت تدريجا، ولا ذلك الدين الذي ليس له أسس أخلاقية شريفة، ولا ذلك الدين الذي ليس له تأثير في الضمير إلخ، بل تحول كثير من الرأي العام إلى الاعتراف بصلاحية الإسلام للحياة، وابتنائه على أسس أخلاقية قويمة، كما تحول كثير إلى الوقوف على الحياد، بعد أن كان موقفهم موقف عداء، ثم كان من موضع الإعجاب ما ظهر به المسلمون أنفسهم من مناعة نحو تمسكهم بدينهم وبقوميتهم، فلم يلق التبشير الديني ولا السياسي من النجاح ما كان ينتظر! •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٦٨