تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أنت بقوتك نفاعة إلى أشد حدود النفع، ضرارة إلى أشد حدود الضرر، فيك الحياة وفيك الموت، هأنذا أستدفئ بك وأحذر القرب منك، وهذا الأكل تنضجينه وتحرقينه، وهذا القطار تسيرينه وتمزقينه.

عد الإنسان اكتشافه لك أجل شيء في حياته وأعظم حادثة في تاريخه، لا يستغني عنك بدوي في بداوته، ولا حضري في حضارته، عرفت المدنية الحديثة طرق استغلالك فقفزت في تقدمها، واتخدتك أكبر وسائلها في بنائها وهدمها، وبؤسها ونعيمها، ورفاهيتها وعذابها، وسلمها وحربها، وهل بنيت المدنية إلا على الحديد والنار؟ ومهما اختلفت الأسماء التي وضعوها لك من فحم وبنزين وغيرهما فأنت أنت التي صيغت من ضوء وحرارة. •••

لقد كنا نحن وأرضنا وما حولنا جذوة منك، فلما بردت قشرتها دبت الحياة فيها وظل باطنها شعلة منك، تنبئ بأصلها وتدل على تاريخها، ومن أجل ذلك كان كل شيء حولنا إما نارا ظاهرة، أو نارا كامنة. •••

لك فوق جلالك وقدرتك جمال عجيب -! وقل أن يجتمع الجلال والجمال والقوة في شيء كما اجتمعت فيك، أدرك الرضيع جمالك فناغاك، وشدت عيناه إلى مرآك، وارتبط جمال الليل بجمال ثرياك، واجتمع فيك سر جمال النور وجمال اللون وجمال الحركة وجمال القوة وجمال الوداعة، تهدئين فتكونين شمعة، وتثورين فتكونين بركانا، وقد أنصف العرب، إذ سموك «النار» قريبا من «النور»، لقرب حقيقتك من حقيقته، وجمالك من جماله. •••

ثم ها هي النار من أكثر ما في الوجود إيحاء وإلهاما، فلأمر ما ارتبطت النار في حياة موسى بنور الوحي

إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ، ولأمر ما كانت النار معجزة إبراهيم

يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ، ولأمر ما عظمها اليهود وقالوا: إنها تأكل قربان المخلص ولا تأكل قربان النغل، ثم هي والجنة عدلان تلعب عليهما عواطف الإنسان من خوف ورجاء ورغبة ورهبة، وبفضلها لم نجد تعبيرا خيرا من حرارة الإيمان وحرارة العواطف وحرارة القلب، ولو انعدمت حرارة الإيمان لكان إيمانا جافا، ولو انعدمت حرارة العواطف لتجمدت وماتت، ولو انعدمت حرارة القلب لكان حجرا، إنما يقوم الشاعر بحرارة شعره، والخطيب بحرارة قوله، والأمة بالتهاب وطنيتها، ولا فرق بين الموت والحياة إلا الحرارة، وإذا أظلمت النفس فما أحوجها إلى لمعة كلمعة البرق تضيء جوانبها، وإذا برد القلب فلا يحييه إلا قبس من نار يلهب شعوره، وإذا جمدت عواطف أمة فليس إلا النار والعذاب يحييان مشاعرها، ويبعثان وجدانها.

لم يجد العاشق - أيتها النار - تعبيرا صادقا عما يجد إلا النار ترعى فؤاده، والنار تحرق كبده، والنار تكوي قلبه.

ولم يجد الصوفي خيرا منك ومن النور ولد منهما معاني عجبا. •••

وهنا أحسست أن جسمي أخذ حظه من الدفء، ورأسي كأنه شعلة نار من التفكير في النار، فأطفأت نارها وأطفأت رأسي، وقلت: إلى مخدعي.

| العام الهجري الجديد

باسم الله نستقبل هذا العام الهجري الجديد، وباسم الله نرجو أن يكون خيرا من أخيه الراحل، وأن يكون يمنا وبركة وسعادة للإنسانية عامة، وللعالم الإسلامي خاصة، وأن ينظر فيه المسلمون إلى أنفسهم فيعرفوا مواضع الضعف فيها فيقووها، وإلى مواضع القوة فيزيدوها، وأن ينظر العالم الأوربي إليهم نظرة عادلة، فيعلم أن المسلمين قد شعروا بإنسانيتهم فلم يعد في الإمكان أن يستعبدوا، وبصروا بأنفسهم فأصبح من العسير أن يستغلوا، وتجاوزوا طور الصبا فلا بد لكسبهم من إخائهم لا سيادتهم، ومن مساواتهم لا السيطرة عليهم، ومن معاملتهم معاملة الإنسان للإنسان، لا معاملة الإنسان للسلع، وفوق ذلك فتكاليف المدنية كثيرة، والقيام بأعبائها شاق عسير، وتسيير آلاتها يحتاج إلى أيد لا عداد لها، وعقول لا تحصى، فلماذا نضعف المدنية بتسليط قوة على قوة بدل أن تتعاون القوتان؟ ولماذا نضيع الوقت في إذلال نصف السكان لنصفهم الآخر، ولا نضع أيدينا بعضها في بعض للتعاون والتساند؟ ولماذا يخيل لقوم ألا ينجحوا إلا بهدم أممهم للأمم الأخرى، مع أنها صالحة كل الصلاحية لتبني كما بنوا، وتشيد كما شيدوا؟ والله قد قسم الخيرات على الناس، فكما جعل أرضا صناعية وأرضا زراعية، جعل لعقول الأمم مميزات ولنفوسهم مميزات، ولا شك أن للعالم الإسلامي مميزات تغل الخير الكثير لو استغلت، وتساعد في بناء المجتمع لو استخدمت. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٦٧