تحرك المسلمون يطالبون بحقوقهم، وسببوا بحركاتهم مشاكل للدول التي تحكمهم، ورأى الساسة أن حكمهم لم يصبح من السهولة كما كان، ورأى الاقتصاديون أن الاستغلال في أراضي المملكة الإسلامية أصبح عسيرا، وأن غفلة المسلمين التي كانت تمكنهم من الاستغلال على أحسن وجه وأيسره قد زالت أو زال أكثرها، فعسر عليهم الإنتاج.
كما صادف أن العالم الأوربي تمزق بالخصومات والعداء، ولم يعد الأوربيون كلهم على اتفاق فيما بينهم، حتى يستطيعوا أن يرسموا خطة واحدة نحو الممالك الإسلامية.
كان من نتيجة ذلك كله أن تحول موقف الدول نحو البلاد الإسلامية تحولا ظاهرا، ورأوا أن يصانعوا المسلمين ويحاسنوهم ولا يخاشنوهم، فكانت المعاهدات المختلفة، للأقطار الإسلامية المختلفة، وإلغاء الامتيازات في الدول التي بقيت فيها، إلى كثير من أمثال ذلك. •••
هذا عرض سينمائي سريع لتاريخ المسلمين الحديث وموقفهم الحديث، ولكن هذا الموقف الجديد يتطلب واجبات جديدة، ويحملهم أعباء ثقالا، فإحداث الثورة أيسر من استغلالها، إذ هدأت، وإشعال النار أسهل من استخدامها في تسيير القطارات وإدارة الآلات، وقد ظل العالم يشعل النار طوال عهوده، ولكنه لم يعرف أن يستخدم البخار إلا في عهده الحديث، وواجبات العبد أيسر من واجبات السيد، ومسئولية الرجل أعظم من مسئولية الطفل.
فالعالم الإسلامي الآن يقف - لأول مرة - بعد العصور المظلمة - على رجليه، ويحاول أن يدير حكومته بنفسه، ويتحمل غلطاته، ويفخر بحسناته، وقد أصبح لأول مرة في العصور الحديثة عقلا يدبر بعد أن كان يدا تدار، وأمسك بيده المصباح، فإما أن يضيء به منزله إذا أحسن استعماله، وإما أن يحرقه إذا أساء استعماله، ووقف الآن يحمل أوزاره وأوزار آبائه، وديونه الثقيلة وديون آبائه، فكان الأمر جدا لا لعب فيه، وميدان جهاد لا مسرح مهزلة.
وإن أبواب الجهاد عديدة ليس شيء منها أولى من شيء، وقد علمنا الإسلام في تعاليمه الأساسية الأولى أن نعد أنفسنا ما استطعنا من قوة، نتسلح بالعلم كما تسلح القوم بالعلم، ونتسلح بالأداة الصالحة للحكومة كما تسلحوا، ونتدرع بتنفيذ العدل الدقيق كما تدرعوا، وبوحدة الأحزاب عند الخطر كما توحدوا، وبالاستعداد للطوارئ كما استعدوا، وفوق ذلك نتقوى بالخلق كما تقووا.
فأما أن يترك العالم الإسلامي بيوته فوضى، ويتنازع على الرياسة أو على من يمثله في المجتمعات والمؤتمرات، وأما أن تتحارب أحزابه لا للمصلحة القومية، ولكن لتولي الحكم، وأما أن يبذر أمواله على أنواع الترف والكماليات، وهو في أشد الحاجة إلى الضروريات، وأما أن يسير في آلاته الحكومية على أساس المحسوبيات والشهوات لا على أساس العدل الدقيق، وأما، وأما ... فضرب من العبث إن اغتفر في الماضى فهو أكبر أنواع الإجرام في الحاضر.
إن موقفنا اليوم موقف التاجر يمارس التجارة لأول عهده، وموقف الشاب أونس منه الرشد فرد إليه ماله وروقب كيف يتصرف، ولسنا في عزلة عن العالم نفعل كما نشاء، وإنما نقف على مسرح نظارته كل العالم، وليس لدينا من القوة العلمية والأدبية والحربية ما يحمل العالم على أن يغفر لنا خطايانا ويغمض طرفه عن زللنا، ويقف العالم منا موقف الرقيب ماذا نصنع والراصد ماذا نعمل، وفي أعناقنا تبعاتنا وتبعات أبنائنا من بعدنا.
فلنجعل العالم يهابنا في إجلال، ويحترمنا كصديق، ويعاملنا كشريك، ولا يمس حقوقنا لقوتنا، ويفسح لنا في بناء المدنية لقدرتنا، ويؤمن - بأعمالنا لا بأقوالنا - بأن لنا مجدا قديما أتبعناه بمجد حديث، ولنسمع من لم يسمع أن المسلمين لم تمتهم الأحداث الثقال، وإنما أنامتهم ثم انتبهوا، وخدرتهم ثم انتعشوا، وأنهم منذ انتبهوا عملوا مع العاملين وجدوا مع الجادين.
هذا، أيها العام الجديد، رجاؤنا فيك وأملنا منك، فكن صفحة مجيدة يسجل فيها العالم الإسلامي نبل فعاله وخير أعماله، وكن لهم منارا حتى يهتدوا بضوئك ويأنسوا بنورك ويبددوا ما يحيط بهم من ظلام، ويضطلعوا فيك بأعبائهم الجسام، حقق الله الآمال.