التضحية عشق وهيام، ومحال أن يصدق عشق على أساس الأنانية، وإنما يصدق يوم يقول ويؤمن بما يقول: «إني أضحي أنانيتى وسعادتي وشخصي وكل ما يقف في سبيل الحب لحبي».
لا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ، ولذة أن الناس يجدون ويسعدون، كما يتعود أن يتلذذ من أن يجد ويسعد.
التضحية إرادة القوي ليقوى، وإرادة الضعيف ليتخلى عن ضعفه - هي حجر المسن تشحذ عليه الإرادة لتقطع الصعاب وتجتاز العقاب، وهي النار المقدسة التي تطهر النفوس وتأكل الأعشاب الطفيلية.
التضحية أشرف الطرق تسير فيه الأمة لتحقيق ذاتيتها، وأنبل السبل تسير فيه الإنسانية لتبلغ غايتها، وبدونها يصبح الإنسان حجرا لا روح فيه، أو بهيما يعيش ليأكل.
التضحية أفق واسع تنعم فيه النفس بجمال السعة وبعد المدى وجلال اللانهاية، والأنانية أفق ضيق تألم فيه النفس بضيق المكان، وتنقبض فيه من كثرة السدود والحدود.
في التضحية حرارة وإيمان يسعد، وفي الأنانية جمود بارد وإلحاد مقبض.
في التضحية حياة كلية شاملة وفناء النفس فيما حولها ومن حولها، وفي الأنانية حياة جزئية محصورة، ودوران النفس حول ذاتها في خمود وركود.
في التضحية كرم وسماحة، وفي الأنانية شح وكزازة
ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .
| النار
كان الجو باردا قارسا، وكان الهواء عاصفا قاصفا، وكان الليل مظلما حالكا، فأويت إلى بيتي وكأني لا أجد جسمي، وخلعت ملابس التكلف ولبست ملابس البساطة، وفرحت بالنار الموقدة في حجرتي، والجو الهادئ حولي، فكل شيء يحيط بي نائم، وأنا والنار وحدنا يقظان.
جلست بجوارها أتأمل صنيعها، وأستمليها معانيها. •••
يعجبني فيك - أيتها النار - ميلك إلى السمو دائما، يلعب بك الهواء في نواحيك، فتقاومين وتعارضين، وقد يتغلب عليك الحين بعد الحين، ولكن لا تملين ولا تخضعين، حتى يمل هو فيسكن، وتستمرين في تساميك أبدا، وفي تعاليك دائما، فتبا لمن يخضع لأول عاصفة ويطأطئ رأسه لأول صدمة.
قوية قوة لا نهاية لها ، لا تلمسين شيئا حتى تأكليه وتخضعيه لأمرك، وتحلليه إلى شيء واحد مهما اختلفت أنواعه - جمادا كان أو حيوانا أو نباتا، عظيما أو حقيرا، جميلا أو قبيحا - إلى رماد، إلى هباء، إلى فناء، تحللينه بحرارتك، وتهضمينه بقوتك، ثم تتركينه باردا برود الموتى، أين منك مخالب الأسد؟ وأين منك أنياب الأفاعي السامة؟ وأين منك الريح العاتية ترمي ولا تفني، وتقتلع ولا تبتلع؟ لولا أن رأينا أفاعيلك قبل أن نعقل لجن جنوننا لرؤيتك، وأخذنا العجب كل العجب لقدرتك. •••
عجب المجوس لقدرتك فعبدوك وألهوك، واستدل الموحدون بعظمتك على عظمة خالقك وامتن الله بك على عباده، فقال:
الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون . •••
اشتق العرب أقوى فترة من العمر من صفاتك، فسموا الشباب من شبوبك، ووصفوا التهاب الشعور من التهابك، وقالوا: ضرام الحب من ضرامك، واندلع لهيب الثورة من لهيبك، وكما استعاروا صفات القوة من قوتك، استعاروا صفات الضعف لغيابك، فقالوا: انطفأت شعلته إذا مات، تشبيها بانطفائك، وهمدت قوته وخمدت، من همودك وخمودك.
وكما عبدك المجوس جعلك العرب أعظم مفاخرهم وأشهر مآثرهم، فرفعوك للسفر ولمن يلتمس القرى، وكلما كان موضعك أرفع كانوا بك أفخر، فقال شاعرهم:
له نار تشب بكل ريع
إذا الظلماء جللت القناعا
وما إن كان أكثرهم سواما
ولكن كان أرحبهم ذراعا
ومثل ذلك كثير لا يحصيه عد. •••
لقد أبت الشمس أن تنزل من سمائها، وتتنازل عن عليائها، فأنابتك في الأرض عنها، ومنحتك أعظم صفاتها، وهي الضوء والحرارة والقوة، فضوءك من ضوئها، وحرارتك من جنس حرارتها، وقوتك بعض قوتها، وكأنك تبرهنين على ولائك لها، فتميلين دائما للصعود إليها! تستطيعين أن تمزقي الظلام، فتكوني آية الليل كما كانت أمك آية النهار، وتستطيعين أن تقهري البرودة، وتبعثي الدفء إذا غابت أمك، وتستطيعين أن تبعثي الحياة بحرارتك. وهل الحياة إلا حرارة، وهل الموت إلا برودة؟ •••