تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أحق كل هذا؟ أيستطيعون أن يستمروا في تفسيرهم لكل أنواع التضحية من شخص لا يؤمن بدين، وهو - مع هذا - يرمي بنفسه في ميدان القتال دفاعا عن أمته، وأم تضحي براحتها ولذتها لابنها من غير أن تنتظر مثوبة أو جزاء، ونحو ذلك من أمثلة لا تعد؟

وهب ذلك كله صحيحا، فهل ذهب جمال التضحية، وقيمة التضحية؟

لتكن كل هذه الأعمال النبيلة ناشئة عن غرائز شخصية وبواعث ذاتية، فهذه الغرائز في الحقيقة والواقع قد تتجه إلى أعمال خسيسة فنكرهها ونشمئز منها، وهي هي قد تتجه إلى أعمال تنفع الناس فنعجب بها ونمجدها، إن حب الذات قد يدفع الشخص إلى أن يقتل، استيلاء على مال القتيل، وقد يدفعه إلى أن يقتل، دفاعا عن أمته، أو دفاعا عن عرض فتاة، ومحب الظهور قد يغذي غريزته بتضليل الناس، وخلق المؤامرات، وتدبير الدسائس حتى يعترف له بالمقدرة، وقد يغذي غريزته بالإحسان الكثير والإصلاح الكبير، والمرأة قد تدفعها غريزتها الجنسية إلى الاستهتار، وقد تدفعها الغريزة نفسها إلى التمريض، فالغريزة في كل هذه الحالات واحدة، ثم قد يصدر عنها الخير، وقد يصدر عنها الشر، فالعبرة بالنتائج لا بالتحليل إلى العناصر الأولية، وخطأ علماء النفس هؤلاء - إن كان ما يقولونه صحيحا - أنهم أفرطوا في التحليل، ولم ينظروا في التركيب، بالغوا في المقدمات وأعرضوا عن النتائج.

لتكن كل الأعمال ناتجة عن حب الذات، فلا تزال هناك أعمال نبيلة وأعمال خسيسة، ولا يزال هناك من الأعمال ما يصح أن يسمى «أثرة» وأنانية وما يصح أن يسمى إيثارا وتضحية، وكل الفرق فرق في التعريف لا في المعرف، وفي العرض لا في الجوهر، فعلى قولهم تكون التضحية أن يجد المرء لذته الشخصية فيما يعود على الناس بالنفع، وعلى قول الآخرين هي أن يبعثه على عمله نفع الناس وخيرهم، ولا عبرة بالمقدمات إذا تساوت النتائج، وليس يهمنا أن يكون الباعث له على إتيان الخير لذته الشخصية أو رغبته في الصالح العام ما دام العمل ينتج هذا الخير.

ولا يزال الناس بعد هذا البحث السيكولوجي منقسمين إلى قسمين: قسم لا ينظر إلا إلى شخصه في حدوده الضيقة، وقسم ينظر إلى شخصه في حدوده الواسعة. قسم ينظر إلى ذاته كالحيوان، وقسم ينظر إلى ذاته كفرد في أمة وعضو في جسم وفرع في شجرة، يوفق بين نفعه ونفع أمته ونفعه ونفع شجرته. قسم بلغ به ضيق النظر أن يجد لذته في حرمان الناس وسعادته في شقاء الناس، أو هو على الأقل لا يهتم بالناس. وقسم قد بلغ من سعة نظره أن يجد لذته في لذة الناس، وسعادته في سعادتهم، وخيره في خيرهم، وهذا غاية الرقي.

وخير الناس من استطاع أن يوفق بين غرائزه وخير الناس، فإذا كان محبا للظهور فليظهر بما ينفع أمته، وإذا كان محبا للاستطلاع فلا يستطلع أخبار الناس وعيوبهم وخفاياهم، وإنما يستطلع حقيقة مجهولة في العلم أو قانونا مجهولا في الطبيعة، ومن كان من طبعه الخوف فليخف من شر يلحق الناس، وأذى ينالهم، ولا يخف من أوهام من خلقه، وعفاريت من خياله، وهكذا.

مهما قيل فالتضحية أنبل ما وصل إليه الإنسان، منظرها أجمل منظر وأروعه، ولا شيء يكسب الأمة قوة كما تكسبها التضحية، فالأمة المضحية تأكل غير المضحية في سهولة ويسر؛ لأن الأمة المضحية كتلة متماسكة ووحدة واحدة، والأمة غير المضحية أفراد متفككة، وشهوات متعددة، تتحارب أجزاؤها، ويأكل النزاع والشهوات والأنانية قواها، فالأسرة التي يعمل فيها كل فرد لشخصه أسرة ميتة، والمصنع الذي يعمل فيه كل فرد لمصلحته الخاصة لا يبقى شهرا، والحزب الذي ينظر فيه كل عضو إلى نفسه فقط حزب مصطنع لا حول له ولا قوة، والأمة التي يحسب فيها كل فرد حساب لذته الخاصة هي أفراد لا أمة.

في الأمة التي تسودها التضحية كل أفرادها أقرباء، وفي الأمة التي تسودها الأنانية كل أفرادها غرباء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٦٥