فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
وبقول البارودي:
أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ
أحق بالري لكني أخو كرم •••
ليس مظهر التضحية مقصورا على الجنود في مواقف القتال، فليس هذا إلا مثلا عاليا من أمثلة التضحية، ولكن هناك أمثلتها العديدة في الحياة اليومية لكل فرد، فالذي يتنازل عن لذته الفردية الضيقة للمصلحة العامة الواسعة يكون مضحيا على قدر ما بذل، والموظف ينال شيئا من العناء لراحة الجمهور مضح، والمدرس يبذل أقصى جهده في إعداد درسه وإيصاله إلى طلبته مضح، والغني يتنازل عن بعض لذائذه لخير الناس مضح، والمزارع يرعى حال فلاحيه مضح، وهكذا، وعلى قدر انتشار هذه الروح في الأمة يكون مقدار رقيها ونجاحها - ولا تفلح أمة يبحث أفرادها عن لذائذهم الشخصية فقط، مهما حسن تشريعها وصلح قادتها، فشرع ما شئت لتنظيم التموين فلن ينجح، ما دام كل فرد لا ينظر إلا إلى شخصه، وشرع ما شئت لتنظيم الضرائب فلن ينجح مع محاولة الأفراد الهرب منها، وشرع ما شئت لإصلاح الفلاحين فسيظلون كما هم، ما دام التشريع لا يلقى مجاوبة من نفوس القادرين. •••
لقد أضاع علماء النفس المحدثون جمال التضحية بما أفرطوا من تحليل، وما أرجعوا من أعمال نبيلة إلى غرائز وضيعة ، وما وصلوا إليه من أن مظاهر إنكار الذات تعود في آخر أمرها إلى حب الذات، فقالوا - مثلا -: إن السياسي الكبير الذي يدل مظهره على أنه يؤدي واجبه، ويخدم أمته، ويتحمل أشق الأعباء في سبيل مجدها ورقيها ونهوضها، لو حللت البواعث التي دفعته إلى عمله وسلوكه هذه السبيل، لوجدتها ترجع في النهاية إلى غريزة حب الذات، وشعوره الكمين بأهمية ذاته وعظم شخصه، والواعظ الذي يعظ الناس ويذكرهم بالدين، ويخلص في سبيله، ويتحمل أشد العذاب في سبيل تحقيق دعوته وانتشار عقيدته إنما نصل في النهاية عند تحليل نفسه إلى حبه إظهار شخصه، وتمجيد ذاته، والتفات الناس إليه، واتجاههم نحوه، والزاهد الذي فر من الحياة ولذاتها، واعتكف في الأديار أو التكايا أو نحوها، وتجرد من الدنيا وشئونها، لم يكن في الحقيقة عند التأمل العميق في بواعثه إلا ناظرا لنفسه، هاربا من تبعات الحياة وتكاليفها، والطبيب الذي يعنى بمرضاه ولا يعنى بنفسه، ويتعرض للأخطار أيام الوباء، إنقاذا للناس، ولو كان في ذلك حتفه - قالوا - إنما يبحث وراء حسن سمعته وذيوع شهرته، والعالم الذي يقضي أوقاته في معمله أو في مكتبه باحثا منقبا وراء حقيقة يكتشفها، أو نظرية يعثر عليها، أو اكتشاف يخدم به الإنسانية دواء لمرض أو إمتاعا للناس في ناحية من نواحي حياتهم، ليس - في نظرهم - إلا مجيبا لما ركب في طبيعته من حب الاستطلاع، والمصلح الذي يكدح ليله ونهاره في سبيل خدمة قومه وإصلاح عيوبهم، ومعالجة ما أصيبوا به من مرض اجتماعي، ليس يرجع ذلك - في رأيهم - إلا إلى حب الظهور، وإشباع رغبته في إعظام نفسه، والدوي حول شخصه، بل قالوا أكثر من ذلك وأعنف، قالوا: إن الممرضة التي تهب نفسها لخدمة المرضى، وتعمل جهدها في الرحمة بهم، وتلطيف عذابهم، وتضميد جراحهم، وتجد من نفسها السعادة في تفريج كربهم وتخفيف آلامهم، ليست في الحقيقة مدفوعة إلى ذلك إلا لداعي ما ركب في غريزتها من الاستطلاع الجنسي، قالوا: وإنما اختارت هذا الضرب من الإحسان؛ لأنه محفوف بما يغذي نفسها من مظاهر الإعجاب والمدح والثناء، والظهور بمظهر من يفني ذاته في نفع الناس، ويضحي بخيره لخير الناس.
وهكذا رجعوا كل البواعث النبيلة، ومظاهر التضحية الجميلة للغرائز الوضيعة المتأصلة في النفس، وللبواعث الذاتية المتأصلة في الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض.
وقالوا: وما ذنبنا أن وجدنا الإنسان هكذا خلق، وعلى هذا طبع، وهو هو من بدايته إلى نهايته؟!