تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد كانت هذه المجلدات الثمانية معرضا جميلا يمثل للناظر كيف كانت الأقلام تجري في هذا العصر، وبأي أسلوب تكتب، وبأي عقلية تفكر، وإلى أي حد بلغ مجهود القوم ونشاطهم العلمي والأدبي، وما الموضوعات التي كانوا يحبونها ويتذوقونها، وكيف كان عقلاء مصر أمثال علي مبارك وعبد الله فكري وصالح مجدي ومحمد قدري وأمثالهم، حركة دائبة لا تعرف الكلل في تنظيم المدارس والمكاتب وتغذيتها بالكتب تؤلف وتترجم، وبالحفلات تقام وبالمجدين النابغين يشجعون ويكافئون، وبالمحاضرات العامة تلقى على الجمهور، وبهذه المجلة يسجل النشاط ويبعث الشوق.

وهي في ناحية أخرى صورة لحالة النظم والنثر في ذلك العصر يبعث من مرقده، فيتعلم السير ويتعثر بالسجع وبالاستعارة المتكلفة، ثم يحاول أن يتحرر من قيوده، فيقطع في ذلك شوطا لا بأس به.

والقوم يواجهون المصطلحات العلمية في العلوم على اختلافها، ويكلفون ترجمة الكتب الأجنبية والمحاضرات التي يلقيها الأساتذة الأوربيون، فيجدون في وضع الكلمات العربية التي تقابلها، أو يستعملون الكلمات الأجنبية مصوغة صوغا يستسيغه اللسان العربي.

ثم هي تقوم بنشر ما يهم المدارس من الأخبار، فتنشر أسماء النابغين، وتنشر التقارير الواردة عن طلبة البعثة، فتنشر أن «عثمان غالب» مثلا من تلاميذ مونبليه «أخذ في أول السنة الأخيرة درجة المسرورية»، ومحمد علوي «تحصل في أول امتحان آخر السنة على درجة مسرورية جيدة زائدة وهو نبيه».

وتنشر أسماء من تفوقوا واستحقوا مكافآت ونوعها، وتقتبس من تقارير التعليم والمكتبات في الممالك الأجنبية، إلخ.

ثم نرى ألفاظا كثيرة في طور التكون، كما رأينا في «درجة المسرورية»، و«ثمن ترتيبها» بدل «قيمة اشتراكها»، ومثل ذلك في مصطلحات العلوم، وبعض هذه الألفاظ أقر وبعضها عدل.

ونرى المجلة تكثر فيها الألغاز حسب ذوق العصر، حتى يضج المشرف على المجلة منها، ويطلب من الكتاب الإقلال من إرسالها.

ونرى فن «المقالة» لم يتكون بعد، وإنما هي محاولات في كتابة المقال.

ونرى الجمهور لم يعرف الكتب القديمة، ولم يطلع على ما فيها، فيستغفله بعض العلماء، وينقلون من هذه الكتب بعض فصول وقصائد يدعونها لأنفسهم، ويمضونها بإمضائهم.

وعلى الجملة فهذا وأكثر منه موضع لدراسات قيمة في نواح متعددة.

| التضحية

لعل من أهم الفروق بين أمة راقية وأمة غير راقية، أن أفراد الأولى يشيع بينهم العمل لأنفسهم ولغيرهم، وأن أفراد الثانية لا يعملون إلا لأنفسهم.

ها هو الجو حولنا مشبع بالأنانية إلى أقصى حد، هذا موظف كل همه أن يرضي رؤساءه في الحدود الضيقة لينال «درجة»، ولا يهمه بعد ذلك قضيت مصالح الناس أو لم تقض.

وهذا موظف آخر لم يمنح من المرتب ما يشتهي، فهو يضن بمقدرته وكفايته على الناس، وكل ما يعمل أن يؤدي الأعمال الآلية التي تنجيه من العقوبة ومن التبعية القانوينة، فهو يحضر في الميعاد وينصرف في الميعاد، ثم لا روح في عمله، ولا شعور بواجبه، وهذا غني لا ينظر في تصرفاته إلا إلى شخصه مهما شقي الناس من حوله، وهذا مزارع من كبار المزارعين لا ينظر في مشروع القطن والقمح إلا بمقدار ما يحتمل أن يدخل جيوبه من مال، مهما جاعت الأمة وعدمت القوت، وهذا ثري ذو جاه يستعمل جاهه ونفوذه في الهرب من ضريبة واجبة عليه، أو يتحايل في تخفيضها إلى أقصى حد ممكن، فتكون النتيجة أن يدفع الضريبة كاملة غير القادر، ويهرب منها أو ينقص منها القادر - وهذه هي الروح الشائعة التي نراها في البيت وفي الشارع وفي المصلحة، وفي البيع والشراء، والأخذ والعطاء: أنانية مسرفة، في حدود ضيقة، لا ينظر منها الإنسان إلا إلى نفسه، وإلى نفسه فقط، يدور في خلده أن ينهب من اللذائذ ما استطاع قبل فوات الوقت، ويهرب من الواجبات ما استطاع مع المحافظة على الشكل، حتى لا يقع في يد القانون، يردد قول أبي فراس: «إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر»، ويهزأ ببيت أبي العلاء:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٦٣