تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولزمته العادة، وخضع لحكم «الكيف»، فإذا هو حشاش لا يطيق صبرا عن الحشيش، ولا يستطيع أن يعيش ليلة من غير أن يحشش.

قال: وقد شعرت بضعف حيويتي وسقوط نفسي، وميلي إلى الكسل والخمول، وفتور في قوى عقلي وسوء تقديري للأمور.

قال صاحبي: وإلى هنا انتهت يوميات صاحبنا، وبقي الفصل الأخير من الرواية لم أتبينه مما كتبه: كيف وصل إلى ما شاهدت من حالته، فتشوقت إلى أن أراه ليتم لي روايته.

فأتاني بعد أيام، فاستقبلته ونفسي مغمورة أسفا وعطفا وإشفاقا، وسألته عما حدث له بعد فقال: لم أجد بعد لنفسي ميلا إلى قراءة أو درس، ولا إلى أي عمل، ولم أكتب لجامعتي حرفا، وانقطعت أخباري عنها، فقطعت ما كانت تمدني به من مال، وضاقت بي السبل، ولم أجد موردا أقتات منه، ولم يرشدني صاحبي الكتبي إلى أي عمل أعمله، ولم أعد أعبأ بنظافة ملبس ولا حسن مظهر، وتخاذلت قواي وفقدت كرامتي، فعرضت نفسي على من يستخدمني، وأخيرا لم أجد إلا عملا في قهوة، وبعد مدة وجدتني لا أصلح حتى لهذا العمل، وخرجت هائما على وجهي في الجبل يوم قابلتك!

ثم بكى، وما أشد وقع بكاء الرجال على نفسي!

فكرت طويلا فيما أستطيع أن أعمله لإنقاذ إنسانية ضالة معذبة، وزهرة كانت يانعة فذبلت وجفت وسقطت.

فهداني التفكير إلى أن أذهب به إلى من يعنى بأمر الهولنديين، وكان يستطيع أن يهتدي بنفسه إلى ذلك لولا أنه سلب قدرة التفكير وقوة الإرادة، فشرحت لهم حاله، وتفاهمت معهم أن يسفروه إلى بلده فرحبوا بالفكرة ونفذوها، ثم انقطعت عني أخباره، ولم أدر - بعد - من أمره شيئا.

| أول مجلة مصرية

كانت ساعات ممتعة تلك التي قضيتها وأمامي ثمانية مجلدات من أول مجلة عربية علمية أدبية مصرية،

1

أتصفحها وأقرأ بعض مقالاتها، وأقارن بين أعدادها، فمنذ إحدى وسبعين سنة، في عهد الخديو إسماعيل كان علي باشا مبارك «مدير ديوان عموم المدارس»، وهذا كان اللقب الذي حل محله فيما بعد ناظر المدارس فناظر المعارف فوزير المعارف.

وكان «رفاعة بك الطهطاوي» «ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس»، وقبل ذلك بسنوات كانت قد نشطت حركة المدارس والمكاتب وفتحها، وأقبل عليها المتعلمون، فرأى القائمون بالأمر أن تصدر إدارة المدارس «مجلة» تشد أزر هذه الحركة، وتعمل على نشر التعليم، فأنشأوا مجلة أسموها «روضة المدارس المصرية» وقد صدر أول عدد منها يوم السبت 15 محرم سنة 1287 هجرية، الموافقة سنة 1870 ميلادية، واختاروا لها رمزا جملة كتب عليها دواة غمست فيها ريشة تستملي منها، وحولها قوسان من غصون الشجر، وطبع تحت الاسم هذان البيتان في كل عدد:

تعلم العلم واقرأ

تحز فخار النبوه

فالله قال ليحيى

خذ الكتاب بقوه

وتحتهما أنها «تحت نظارة رفاعة بك»، أي كما نعبر نحن اليوم «مدير المجلة»، وأن «مباشرة تحريرها» علي فهمي بك بن رفاعة بك، أي أنه رئيس تحريرها، وكان علي فهمي هذا مدرس الإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن، وجعلوها تظهر كل أسبوعين، وكانت تخرج في 16 صفحة من حجم الكتاب المتوسط - وجعلوا اشتراكها 77,6 قرشا، ولعلهم اختاروا هذا الرقم؛ لأنه يساوي «البنتو» وهي عملة مشهورة كانت في ذلك العصر، ولم يسموا هذا «اشتراكا» كما نسميه نحن، بل قالوا «ثمن ترتيبها» كذا، وطبعوها بمطبعة «جرنال وادي النيل» بباب الشعرية.

وافتتحوها بمقال يبين الغرض منها، فقالوا: «إن جل مرغوب ديوان المدارس المصرية، اعتمادا على مساعدة العناية الخديوية، تعميم العلوم وتتميم المعارف، وانتشار الفنون وإكثار اللطائف، ومداولتها بين جميع أبناء الوطن، وتسويتهم في الورود على مستعذب هذا المشرع الحسن ... بحيث تكون فيها الفوائد متنوعة، والمسائل المتأصلة والمتفرعة، أقرب تناولا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذا لمن يعانيها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة، واضح الإشارة، وألفاظ فصيحة غير حوشية ولا متجشمة لصعب التراكيب، ومعان رجيحة تنخرط في سلك مستحسن الأساليب».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٦١