وفيما أنا عصر يوم في بيتي، منصرف لبعض أمري، وإذا بالجرس يدق، فتحت الباب فإذا هو صاحبنا. - السلام عليكم. - وعليكم السلام.
وفرحت بمجيئه، ولكن لنفسي لا له، فقد خطر لي أني سأكشف السر الذي حيرني، وأقف على حقيقة نفسه وجلية أمره.
ولم آنف أن أجلسه على كرسي مجنح في غرفة استقبالي، ولو كان حافيا وفي جلباب أزرق، وقد تعلمت من حديثه السابق ألا أجرحه بسؤاله المباشر عن موضع سره، فحدثته في كل شيء يخطر ببالي إلا ما يتصل به، وأمرت أثناء الحديث أن يهيأ له أكل شهي دسم، لا من جنس الشطائر الجافة التي التقمناها في الجبل، فأكل بنفس النهم الذي أعهده واستزدته حتى لم يبق عنده مكان للمزيد، وأهل بيتي وأولادي وخدمي يعجبون من هذا المنظر الغريب، ومن تفاهة ملبس الضيف وشدة عنايتي به، وبعد الفراغ من القهوة استأذن لينصرف فأذنت له ومنحته ما استطعت، وقبل أن ينصرف وضع يده في جيبه، وأخرج كراسة طلب مني أن أقرأها وأدبر علاجا لما فيها.
ولا أكتمك أني فرحت بها فرح الطفل بفتح صندوق البخت، أو فرح الفتاة بهدية مغلقة أتت إليها ممن تحب، فأخذتها وتسللت إلى غرفة مكتبي، وأغلقتها علي، وأضأت المصباح، وجعلت ألتهم ما فيها التهام صاحبنا للأكل، وما زلت بها حتى أتممتها، فأخذني منها كل العجب، فماذا هي؟
هي يوميات لهذا الشاب منظمة مرتبة، ذكر فيها أهم ما استرعى نظره في دقة وإحكام.
إنه شاب هولاندي، تخرج من جامعة هولاندية، وتخصص لدراسة اللغات الشرقية والدراسات الإسلامية، ورأت جامعته نبوغه وجده، فمنحته مكافأة دراسية، وإجازة طويلة يقضيها في بلد عربي إسلامي، ليتقن العربية والإسلاميات، فلم يجد لذلك خيرا من القاهرة.
فحضر إليها، وسكن في حي مصري في المنشية، ولبس جبة وقفطانا وعمامة ومركوبا أحمر، ليتسنى له في يسر حضور دروس الأزهر، وجد في الدراسة، واختلف إلى المشايخ يحضر دروسهم ويتفهم كتبهم، وانتهز كل فرصة يتقن فيها الكلام العربي الفصيح واللغة العامية الدارجة، فجلس مع العامة، وتحدث إلى الناس، وإلى الباعة، وغشي الأسواق.
وفي كل شهر كان يكتب تقريرا مفصلا بما حصله وما عمله وما أتقنه، والجامعة من جانبها تمده كل شهر بما ينفقه عن سعة.
ثم خطرت له فكرة نبيلة جميلة، هي أن يدرس الحالة الاجتماعية بمصر بجانب دراسته اللغوية والعلمية، فوضع لذلك برنامجه الدقيق، فغشي مجالس الذكر، وحضر الصلوات في المسجد، وشاهد أسواق البيع والشراء، وحضر الولائم والجنائز وما إلى ذلك.
وأخيرا رأى أن يشاهد مجالس اللهو، ولكن هذه كان لا بد له فيها من مرشد خبير، وكان من بدء دراسته قد عرف «كتبيا» يتاجر في الكتب القديمة، فيشتري منه الكتب بثمن رخيص، ويلتهمها قراءة ودرسا، فتوثقت الصلة بينهما، وكان هذا الكتبي داعرا عربيدا، عليما بأماكن اللهو، خبيرا بمجالس الحظ فأفضى إليه بمكنونه، فهش له وبش.
وقال له: «على الخبير سقطت».
فما زال يتنقل به من ملهى إلى ملهى، حتى كان آخر المطاف «غرزة الحشيش» دخلها مع صاحبه الكتبي، وأداه حب استكشافه ألا يكتفي بمنظر الحشاشين و«جوزتهم» وطريقة تعاطيهم، بل أراد أن يجرب تجربتهم ويختبر فعل الحشيش في نفوسهم، فدخن معهم، وسمع لفكاهاتهم وتنادرهم، ولكنه شرق وسعل، ولم يجد في نفسه أثرا بالغا كما كان يسمع عن الحشيش، فشكا ذلك لصاحبه، فقال له - في خبث ودهاء - إن ذلك لا يتم إلا بالتعود والتكرار، فاستمع لنصيحته وعاد وكرر، فرأى - كما يقول - أن أعصابه تخدرت، وتتابعت الصور على ذهنه، وغاب عن الزمان والمكان، وأحيانا كانت تتراءى له صور مرعبة مفزعة، كأن يرمى من جبل، أو تتخلخل الأرض تحت قدميه، وأحيانا صور مفرحة منعشة سارة كأنه في جنة النعيم، وبعد أن أفاق أحس بشهوة شديدة للطعام، فأكل كل ما قدم إليه في شراهة، ونام نوما حالما لذيذا.