تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي ذات يوم اخترت العباسية وتغلغلت في جبالها ووهادها، أعلوا أكمة وأهبط واديا، وأتخذ مسيري صوب الأزهر، حتى حان الظهر، ونال مني التعب، فبحثت عن مكان أتفيأ ظلاله، وأنعم بنسيمه، وأطل منه على الدنيا الفانية وما فيها حتى وجدته.

واستمتعت بيوم دافئ جميل، وعزلة مريحة، فلم أصادف منذ خرجت من القاهرة إنسانا، وخلعت قبعتي وحططت مخلاتي وألقيت عصاي وجلست، وكان الجوع قد بلغ مني مبلغه، فأخذت أخرج ما حملت: هذه «زمزمية» ماء، وهذه شطائر بعضها باللحم وبعضها بالجبن، وهذا عدد من الليمون الحلو لا بأس به، وهذه عقل صغيرة من القصب، وهذا كل ما معي، فصففتها أمامي وتغزلت فيها، وجرى لها لعابي، وأعددت نفسي لأكلة شهية بعد سير طويل.

فلم أشعر إلا وشبح يبدو من بعيد، لم أتبينه أول الأمر، ثم ظهر أنه إنسان، ثم ظهر أنه يقصدني، وأخذت مظاهره وملامحه تبدو شيئا فشيئا.

جف اللعاب من فمي، ونسيت منظر الأكل لمنظره، وحل الخوف محل لذة النهم، وذكرت قول القائل:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى

وصوت إنسان فكدت أطير

ويلاه من الإنسان! هو كالموت لا بد منه، وكظلام الليل لا بد أن يلفك، ولا مهرب منه إلا إليه.

لكنه إنسان عجيب حقا، ليس ككل الناس الذين رأيتهم، أبيض البشرة بياض الأجنبي، ويلبس جلبابا أزرق كلبس البلدي، ملامح وجهه وزرقة عينيه وشكل رأسه واصفرار شعره دلالة على أنه أوربي صميم، وطاقية رأسه المشبكة وحفاء قدمه المتيبسة دلالة على أنه مصري بائس فقير.

هذا لغز معقد! وقد كنت تركت عقلي الذي يحاول حل الألغاز في القاهرة، وأتيت هنا بشعوري وعواطفي، وروحانيتي الفطرية، فلأسرع الآن في استرداد عقلي القاهري لأحاول به حل هذا الإشكال. - سلام عليكم. - عليكم السلام ورحمة الله، هل تتفضل وتأكل معي؟ - لا بأس.

وأخذ يلتهم الأكل بنهم أشد من نهمي، فأسفت لقلة زادي، ونزلت له عن أكثر ما معي.

واعتذر عن نهمه في أكله بأنه قضى يوما كاملا لم يذق فيه طعاما. - لماذا؟ - لأني لم أجد عملا، ولم أجد مالا. - ماذا كنت تعمل قبل اليوم؟ - خادما في قهوة بلدية، وما عملك أنت؟ - مدرس في مدرسة عالية. - إذا اتفقنا. - كيف اتفقنا؟! - هي كلمة خرجت من فمي ولا معنى لها. - ما بلدك؟ - خرجت اليوم من القاهرة لأستريح من عناء التفكير. - هل أنت مصري؟ - أقمت في القاهرة زمنا طويلا. - وما وطنك الأصلي، ولم قدمت؟

وبدأ يتكلم، ولكن أصابته حبسة: أنا. أنا. أنا أتيت اليوم من القاهرة وكفي.

وعلت وجهه الأبيض - المشرب بحمرة، في الأصل والمشرب بصفرة الآن من الجوع - حمرة الخجل، وظهر لي أنه يحمل بين جنبيه سرا دفينا يجرح عزته، فحبست نفسي عن الاستقصاء، وكلمته في الجو والجبل والمسافة بيننا وبين القاهرة، وأتى موعد الرحيل فسلمت، وأخذتني الشفقة عليه فتركت له عنواني إذا احتاجني، ومشيت.

لم يفارقني التفكير في هذا المنظر الغريب، ولا هذا اللغز العجيب الذي لازمني من وقت أن وقع بصري عليه، وكل ما حدث بعد لم يكشف سرا ولم يلهمني حلا، بل زاد اللغز تعقيدا، فهو يمسك الشطيرة كالأوربي المثقف في ظرف ولباقة، ويأكلها أكل المصري البائس الفقير في نهم وشراهة، عقليته عقلية مثقف، ومنظره منظر جاهل، وهو يتكلم كمصري، وإذا سألته: أمصري هو؟ عرض ولم يصرح، وجمجم ولم يبن، واكتفى بأنه أتى من القاهرة، لو كان جاسوسا فلم يجوع ولم يخجل، ولو كان غير جاسوس وكان أوربيا فلم يجمجم؟

لعن الله الإنسان ومناظره، لقد أردت الهرب منه فلحقني، وأردت البعد عن مشاكله فوقعت فيها، وأرادت الأنس بالطبيعة على طهارتها فأصبت بالطبيعة مدنسة.

جال هذا وأكثر منه في نفسي حتى وصلت إلى بيتي، وشغلتني دنياي عن التفكير في هذا المخلوق العجيب، فأنا بين مطالب أسرة وتحضير درس وإلقائه وغير ذلك من الشئون. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٥٩