لهذا عمدوا - بجرة قلم - إلى إلغائها وإلغاء وزارتها.
ثم إن الجمهورية التركية أعطت للمرأة التركية حريتها وأصغت إلى صوتها، وسمحت لها بأن توسع حركتها التي بدأتها من سنة 1908، حين ظهر أول وجه سافر في الآستانة، فألفت نالدة هانم جمعية مؤلفة من نحو خمسمائة من الأعضاء المثقفات، وطالبن بضروب من الإصلاح: أهمها وضع حد لسن الزواج لا تتزوج من لم تبلغه، وإصلاح أوضاع الزواج، وتأسيس الطلاق على قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة وتحريم تعدد الزوجات.
وتسابقت البنات إلى الجامعات، وزاحمن الأبناء في الحصول على الدرجات.
وخرجن إلى دور السينما وإلى المساجد، وألغين نظام الحريم، وحجز أمكنة خاصة لهن في الترام أو القطار، وطالبن بحقهن في الانتخابات وعضوية البرلمان، وصحب الشبان أخواتهم في القيام بهذه الحركات إلى غير ذلك.
ثم جدت تركيا في نشر التعليم بين أفراد الشعب ذكورا وإناثا، وكانت أسرع من مصر في تنفيذ قانون التعليم الإجباري، فقد استصدرته مصر سنة 1923، ثم عاق تنفيذه قلة المعلمين، وقلة المال، وقلة الهمة، إلى غير ذلك، ولكنه نفذ في تركيا بأسرع وأقوى، واعترض نشر التعليم في تركيا صعوبة الحروف العربية والشكل، فوقفت بين اختراع ما يسهلها وبين السير مع الأوربيين في استخدام الحروف اللاتينية، ففضلت الطريقة الثانية متأثرة بإغراقها في حب المدنية الحديثة، وقلبت كل أدبها وصحافتها وتعليمها إلى الحروف اللاتينية، حتى القرآن نفسه كتبته بهذه الحروف، وقد ساعد هذا في سرعة نشر التعليم، ولكنه من جهة أخرى قطع صلتها - إلى حد ما - بأدبها القديم وتراثها القديم.
وأسست التربية عندها على أسس وطنية، ووضعت كتبها ونظمها على هذا الأساس، واعترضها في هذه السبيل ما رأت من مدارس أجنبية، فتخوفت من صبغتها التي تصبغ بها تلاميذها، ورأت أن كثيرا من مشاكلها السياسية القديمة كانت ترجع إلى هذه المدارس، وما تبثه من مبادئها التي تبعث الإعجاب بالدول الأوربية والاحتقار للأمم الشرقية، فوقفت تركيا إزاء هذه المدارس وقفة حازمة اضطرتها أن تتركها.
ودعتهم الحماسة الوطنية أن يسيروا بخطى واسعة نحو نشر الثقافة، والاطلاع على كل عناصر التقدم الأوربي، ليسيروا سيره، ويحتذوا حذوه، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الحربية.
ثم حافظوا على المظهر محافظتهم على الجوهر، فالجوهر الائتمام بأوربا، والاقتباس من نظمها وقوانينها، والتحرر من سلطة رجال الدين، والمظهر لبس القبعة وسفور المرأة، فحموا الجمهورية من كل عبث بنظامها ومن كل ما يهدد كيانها، كما فرضوا لبس القبعة فرضا، وجعلوها قانونا، وحرموا لبس العمامة تحريما، ولم يجيزوها إلا لمن له عمل رسمي ديني، ونهوا عن الحجاب، وعاقبوا عليه، وهكذا ربطوا المظهر بالجوهر، وتمسكوا بالشعائر التي تدل على المعنى.
وكان بعض الناس يعتقد أن حياة هذا النظام مرتبطة بحياة «مصطفى كمال» فإذا مات مات، لأنه نما من خارج الأمة لا من داخلها، ولا من أعماق نفوسها، فمات مصطفى كمال، وبقي النظام سائرا في طريقه، حتى قامت قيامة العالم بهذه الحرب الطاحنة، التي لا يعرف مداها وعقباها إلا علام الغيوب.
| ضحية
حدثني صديقي قال: اعتدت يوم الجمعة في الشتاء أن أخرج من بيتي قبل طلوع الشمس إلى جبل المقطم، أنفض عن نفسي ضوضاء الأسبوع، وملل العمل الراتب، وسآمة الحديث المعاد ، وأهرب من جو القاهرة المسمم، وأريح أعصابي من مطالب البيت وتكاليف المهنة، وأفر من الإنسان الموحش لأستأنس بالطبيعة الطاهرة، وأكرم نفسي بالعزلة عن الناس، وأهين جسمي بالحركة العنيفة؛ فقد خلق من طينة لا تصح إلا بالإهانة.
واعتدت أن أنوع الطرق، وأخالف بين الجبال، فمرة أختار الجبال والوديان مما يلي حلوان، وأحيانا جبال المعادي ووديانها، وأحيانا العباسية وما إليها.