تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هذه الميزانية الضخمة التي تصرف على الخليفة وبيته من غير مبرر ومن غير عمل، والبلاد أحوج ما تكون في نهضتها إلى المال.

وأخيرا أنهم يريدون أن يكونوا دولة مدنية ينظمونها تنظيما أوربيا، ويقفوا بين حكومات العالم موقف المساواة، والخلافة تقف عثرة في سبيل هذا التنظيم.

كل هذا جعل القابضين على زمام الأمور يفضلون إلغاء الخلافة ففعلوا، نعم كان للمسألة وجه آخر، وهو أن الخلافة كانت تربطهم بالعالم الإسلامي، وتمكنهم من حق الزعامة الروحية على الممالك الإسلامية، وهذه الناحية العاطفية لها قيمتها، ولكن لم تأبه تركيا لهذه الاعتبارات، ورأت أن العالم يسير نحو تكوين القوميات، فأولى أن تعنى أكبر عناية بأمتها وحدودها وقوميتها.

لهذا كله قرر الزعماء الوطنيون أن يصلوا إلى هذه النتيجة على خطوات كان آخر خطوة فيها إلغاء الخلافة، في مارس سنة 1924، وإخراج السلطان عبد المجيد وأسرته من تركيا.

كان في العالم الإسلامي نزعتان ظاهرتان، وإن شئت فقل ثلاث نزعات: نزعة محافظة ترى التمسك بالتراث الإسلامي من غير تغيير، ونزعة ترى الاحتفاظ بخير ما في التراث الإسلامي مما يتفق وروح العصر، ثم تطعمه بالمبادئ الجديدة مما اخترعته المدنية الحديثة، ولكن في تريث وحذر، ونزعة ترى التجديد المطلق، واحتذاء المدنية الحديثة في أكثر ما يمكن، وبأسرع ما يمكن.

وربما صح أن يمثل النزعة الأولى الحجاز، والثانية مصر، والثالثة تركيا.

وقد أدى إلغاء الخلافة في تركيا، وإحلال الجمهورية محلها، إلى تغيير كبير في النظام القديم الذي يجعل الخلافة مصدر السلطات، من قضاء وجيش وتشريع، فلما زالت الخلافة اضطرهم ذلك إلى التغيير في الأسس.

لم يهملوا الدين جانبا كما يتصور البعض، ولكن - على وجه الإجمال - ضيقوا من دائرته، فأما التشريع العام ووضع نظم الحكومة وما إلى ذلك، فجعلوا أساسه ومنبعه المدنية الحديثة، وتحكيم العقل، والنظر إلى الشعب، فهم يدرسون المدنية الحديثة، ويقارنون في الشيء الواحد بين ما فعلته أمم أوربا المختلفة، ومن ناحية أخرى ينظرون إلى شعبهم وحالته الاجتماعية، وما يناسبه، وما لا يناسبه، ويختارون له بعقولهم من النظم الحديثة ما هو أليق بالشعب، وأما الدين فينظم العلاقة بين الإنسان وربه.

على هذا الأساس قامت كل إصلاحاتهم الاجتماعية، فمثلا في سنة 1926 قدم وزير العدل مشروعا بقانون للدولة مكون من 1800 مادة مقتبس في الأغلب من القانون السويسري، ووافق عليه البرمان في 4 أكتوبر من هذه السنة، وهو في بعض مسائله ثائر على النظم المعمول بها في الممالك الإسلامية جميعا، فقد كان تعدد الزوجات - مثلا - جائزا، فجاء هذا القانون وحرمه بتاتا، وكذلك الشأن في المهر، فقد ألغي في القانون الجديد، ولم يفرض على الزوج، وطلب من الزوجة أن تبذل جزءا من مالها في تأثيث المنزل إن كان لها مال، وسلب الزوج الحق في الطلاق، وجعل للمحكمة وحدها حق الفصل لسبب من أسباب ستة محصورة، وأكثر من هذا خطورة أن المرأة التركية أصبح لها الحق بهذا القانون أن تتزوج من تشاء من أي دين كان، فللتركية المسلمة أن تتزوج نصرانيا أو يهوديا أو بوذيا.

وعدلت قواعد الميراث تعديلا كبيرا، فسوت بين الذكر والأنثى، فللبنت كما للابن، وللأم كما للأب، وللزوجة كما للزوج، وألغت نظام الإرث بالتعصيب، والإرث بالقرابة البعيدة، في نظام طويل لا محل لتفصيله، وغيروا نظام الولاية والوصية على أساس الحرية.

ثم نظروا فرأوا جزءا كبيرا من أموال الدولة قد شله الوقف، فمنعت إرادة الواقفين أن يتصرف فيه الجيل الحاضر حسبما يرى من صالح عام، وكانت الأحكام التي وضعت له مقيدة لحرية الدولة في الإصلاح، والأوقاف الأهلية مزرعة رديئة للاستغلال، ومفسدة للمستحقين بترك العمل المنتج اعتمادا عليها، ومفسدة لنظار الأوقاف بانتهابها، ومفسدة لكل هؤلاء يخصوماتهم ومنازعاتهم، وقضاياهم التي لا نهاية لها؛ فهي - في نظرهم - سيئة من سيئات الماضي، سواء من ناحيتها الاقتصادية أم الاجتماعية أم الأخلاقية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٥٧