ها أنت يمر عليك دور تتكونين فيه لنفسك، وتبحثين عن غذائك لنفسك، وتمدين جذورك لنفسك، وتتفرعين فروعا لنفسك، وعلى الجملة تعيشين لنفسك، فإذا أزهرت فقد وصلت إلى الغاية، فتجاهلت نفسك لنفع غيرك، ووزعت خيرك وجمالك على من حولك، فملأت محيطك بعبيرك، وأشععت جمالك على كل من له عين تنظر وقلب ينبض، وهكذا أخوك الإنسان يبدأ حياته لنفسه، ولا تشغله من الحياة إلا نفسه، فهو أناني مستأثر، وقد يقطع حياته كلها في هذا الدور، فيكون مثلك إذا شوكت
1
ولم تزهري، أما إن هو قطع دور أنانيته وتوجه قلبه لخير الناس وحب الناس، وأخذ يفكر ويعمل لنفع الناس أولا ونفسه ثانيا، فقد بدأ يزهر، وقد يصل به الخير أن يرى سعادته في سعادة الناس، أو أن يدخل السرور على الله بإدخال السرور على الناس، فتكون وردته قد بلغت الغاية في نفح الطيب وإشعاع الجمال. •••
غمرتني الشمس وغمرتها، ورأيت من الذوق أن أتركها تنعم بحرارتها وضوئها فاستأذنت فأذنت، ورجوتها أن تسمح بنشر الحديث فسمحت، غير أنها أومأت إلي أن عندها أحاديث أخرى لا تسمح بها لكل الناس، وأن معانيها تنوء بالألفاظ مهما سلست ورقت، وإنما تنتقل باللاسلكي من زهرتها المتفتحة إلى القلوب المتفتحة.
| النظام الاجتماعي في تركيا
ترجم أخي الأستاذ «محمد بدران» مقالا عن تركيا الجديدة من الوجهة السياسية، وأشار إشارة خفيفة إلى حركتها الاجتماعية، فأحببت أن أعرض لهذه الناحية بشيء من التفصيل، على أن أقف منها موقف العارض، لا المقرظ ولا الناقد.
إن احتكاك الشرق بالغرب فتح أعين العالم الإسلامي وجعله يتطلع إلى حياة خير من حياته، وعملت على ذلك عوامل كثيرة، أهمها: معرفة الشرق بأحوال الغرب، وكانت مجهولة لديه كل الجهل، وتدفق كثير من أبناء الشرق إلى أوربا يتعلمون فيها ويدرسون أحوالها ونظمها السياسية، ويعودون إلى بلادهم يبثون فيها ما شاهدوا وما تعلموا، فلما قامت الحرب العظمى اكتووا بنارها، وتسمعوا بشغف إلى أخبارها، وسمعوا الدعايات المختلفة، وكونوا رأيهم فيها، وجاءت تعاليم «ولسن» فزادت في آمالهم، وتشوقوا إلى معرفة مصيرهم، حتى إذا سكتت المدافع وتكلم القادة في الصلح، أرهفوا أسماعهم ليسمعوا ما تقوله أوربا فيهم، ولم يكفهم ذلك، بل ذهب كثير من أولي الرأي إلى باريس يتجادلون ويطالبون ويحتجون، ولم تكن باريس عاصمة فرنسا فقط، بل أصبحت مركز عظماء القارات الأربع، وكنت تسمع في شوارعها لغات العالم عالية، وأشكاله المختلفة ظاهرة، ومن بينهم ممثلو العالم الإسلامي على اختلاف أجناسهم وألسنتهم وألوانهم، وتحول المسلمون بشكل ظاهر من مطالبة بجامعة إسلامية إلى مطالبة باستقلال قومي؛ تقليدا للنزعات الأوربية، وتمشيا مع روح العصر، وساعد على ذلك انفصال جزء كبير من العالم الإسلامي عن تركيا - بعد أن خسرت الحرب - كالشام وفلسطين وجزيرة العرب والعراق.
فلما تم الصالح أحس العالم الإسلامي بخيبة أمل، إذ لم يحقق مطالبهم، ولم ينلهم حقوقهم، فوضعت فرنسا يدها على سوريا، وبريطانيا على فلسطين والعراق، فاضطربت النفوس وثارت الثورات.
وكانت حالة تركيا أسوأ الحالات، إذ فقدت أرضها، وفقدت استقلالها، فكان من حروبها للدفاع عن كيانها ما عرفت تفصيله.
فلما انتصر مصطفى كمال سياسيا وحربيا، وحفظ لتركيا استقلالها اتجه إلى الإصلاح الاجتماعي، فكان من أول ما فكر فيه إلغاء الخلافة، وكان الباعث على إلغائها أمور، منها: خوفه هو وحزبه من أن الخليفة وأسرته لا يرضون عن نظام الحكم الجديد، فيدبرون المكائد، ويدسون الدسائس، لإعادة سلطانهم القديم؛ لأن الخليفة في النظام الجديد فقد سلطته الدنيوية والروحية جميعا، وأصبح مظهرا فقط، ولا عمل له إلا استقبال الزائرين، وصلاة الجمعة في ملأ من الناس، ومع هذا لم تطمئن أنقرة إلى هذا الوضع، وكان السلطان يسكن إستانبول والحكومة الجديدة تقيم في أنقرة، وتعتقد أن الخلافة دائما عش الدسائس الأجنبية، ومهما كان السلطان «عبد المجيد» مخلصا وصادقا ومحبا لرقي شعبه، فإنه قابل للانقلاب والتغير بنفسه أو بخلفه واستحضر حزب «مصطفى كمال» في أذهانهم كل سيئات الخلفاء العثمانيين في العصور المتأخرة، وما جروه على البلاد من وبال.