ومن مظاهرها عندنا الفنون، فالموسيقى لا تعجبنا إلا إذا كانت عالية جدا وزائطة جدا في السرور، ومائعة جدا وباكية جدا في الحزن، أما الهادئة المعتدلة في السرور والحزن فلا.
وكذلك الشأن في الأدب، لا بد من مبالغات قوية جدا واستعارات ومجازات ممعنة في الخيال حتى تعجب، فإذا كان يحب فلا بد أن يذوب، ولا بد أن يصيبه الهزال حتى لا يكاد يرى، ولا بد أن تسيل دموعه أنهارا، ولا بد أن يبكي دما، وقلبه لا بد أن ينفطر، وكبده لا بد أن تتصدع، وهكذا، فأما حب في اعتدال وأدب في اعتدال فلا، وإذا فرح فلا بد أن تضحك الشمس لضحكه، وتترنح الأغصان لترنحه، وتبتسم الأزهار لتبسمه، وهكذا.
ويظهر ذلك أيضا في النكت والنوادر، فهي لا تعجبه إلا إذا كانت ظاهرة مكشوفة تستخرج الضحك العالي لا التبسم الخفيف، وإذا كانت نكتة ناقدة فلا بد أن تكون لاذعة وأن تكون مميتة، فأما نكتة خفية مستورة تمس ولا تجرح أو تسر ولا تضحك فلا، وهذا هو الشأن في التمثيل، فالرواية الجيدة هي التي تهز العواطف هزا عنيفا، إن أضحكت فلا بد أن يمسك قلبه من كثرة ضحكه، وإن أحزنت فلا بد أن يبل منديله من كثرة دموعه، والإخراج لا بد أن يكون فيه صراخ كثير وانفعال قوي، فأما أن يتكلم الممثل كما يتكلم الناس في مجالسهم العادية، وأما أن يقتصد في حركاته وإشاراته ونحو ذلك، فكل هذا يخرجه عن أن يكون ممثلا قديرا ومخرجا نابغة.
فالذوق لتمشيه مع العاطفة لا يعجبه إلا ما فيه حدة، حتى المأكولات لا بد أن تكون دسمة أو حريفة أو زاعقة، والملبوسات لا بد أن تكون زاهية أو صارخة، والمشمومات لا بد أن تكون ذات رائحة نفاذة قوية وإلا لا يستسيغها الذوق.
هذه الحدة في العواطف، والمبالغة في الانفعال تتخذ في الأمة مظاهر واضحة، فجانب كبير من الجرائم سببه حدة العواطف، فكل يوم نرى في الجرائد أخبارا عن قتل أو كسر أو جراح لأسباب تافهة يعجب العقل الهادئ كيف وصلت إلى هذه النتائح، فقتل لنزاع على ماء للري، وضرب أفضى إلى الموت لكلمة صدرت اعتبرها السامع سبا فاضحا، وهكذا مما نطالعه كل يوم، حتى في الطبقة المثقفة يثور الجدل بينهم ويبدأ هادئا، ولكن سرعان ما يحتد المزاج وتعلو نغمة الجدال فتنقلب إلى سباب، ولا يقتصر الأمر على حجة ولا برهان أمام برهان، بل يتعداه إلى سباب أمام سباب ونقد لاذع أمام نقد لاذع، وتنسى المسائل الأصلية وتبقى الحزازات النفسية، هذا هو المظهر العام في الشارع، وفي البيت وفي المحاكم وفي الصحف، كأن كل الناس يحمل مستودعا من البنزين ينتظر أقل اشتباك أو احتكاك.
ومما يؤسف له أن هذه الحدة في العواطف، والحرارة في الانفعال تظهر في كل الأشياء التي ذكرنا وتكون فيها أكثر مما ينبغي، مع أنها تبرد أمام أشياء أخرى وتكون أقل مما ينبغي، فلا نرى حرارة في الانفعال أمام جمال الطبيعة ولا جمال المعاني ولا حسن النظام، ولا نرى غيرة شديدة على الحرية الفردية ولا الحرية الاجتماعية، وهذا الذي يغضب غضبا شديدا لكلمة جرحت إحساسه لا يغضب لمنظر أوذيت فيه العدالة، وهذا الذي ينفعل انفعالا شديدا على شيء من ماله لا ينفعل للتعدي على سمعة قومه أو حرية قومه، وهذا الذي يذوب حبا ويفنى عشقا فيمن يحب لا يتحرك قلبه لجمال طبيعة أو جمال مبدأ سام، فأوتار أعصابه لا تنفعل هذا الانفعال العنيف إلا للنواحي الشخصية والأشياء المادية، ولو أنها انفعلت لهذا وذاك لاحتمل ذاك القبح في سبيل هذا الجمال.
حدة العواطف وشدة الانفعال في الأمة تسبب لها متاعب كثيرة في الحياة، وتفقدها سعادتها، فالبيت جحيم من غضب الآباء والأبناء، فكلمة صغيرة من أب لابنه أو ابن لأبيه أو من أم لبنتها أو من بنت لأمها تشعل النار في البيت وتجعله جحيما زمنا طويلا، والعلاقات بين الأصدقاء عرضة للخطر لتوافه الأمور، والعلاقات بين العاملين في مصلحة أو جمعية معرضة للفساد ولأقل حادث، والعلاقات بين الأحزاب علاقة عداء حاد غالبا، والمحاكم مكدسة بالقضايا من أثر النزاع الحاد، وهكذا، حتى بين الذين لا علاقة بينهم، كالناس في السينما وفي الترام وفي القطار، لا يخلو مجتمعهم من أحداث كثيرة بسبب الانفعال السريع، ولو تعودنا ضبط العواطف في كثير من الأحوال لمرت الحوادث بسلام، ولكن هل هذا العيب قابل للإصلاح، وهل هذه الانفعالات قابلة للانضباط؟