تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يرى قوم أنها حركات نفسية اضطرارية كنبض القلب وإفراز المعدة، وأنها نتيجة طبيعية لحرارة الجو وطبيعة الإقليم، ولكني لست أرى هذا الرأي، وأنها حركات نفسية إرادية يمكن إصلاحها وتهذيبها والتغلب عليها، بدليل أننا نعيش جميعا في بيئة واحدة خاضعة لدرجة واحدة من الحرارة، ومع ذلك فينا من يضبط عواطفه ويحكم انفعالاته، ولو كان الأمر خاضعا لفعل الطبيعة وحدها لم يشذ عن الخضوع لها أحد، وكما يقول الفلاسفة: «ما بالطبع لا يتخلف» والمثقفون - في جملتهم - أضبط لعواطفهم من غير المثقفين في جملتهم.

ونحن لو نظرنا إلى سلم الرقي من الحيوان إلى أرقى نوع من الإنسان وجدنا أن الحيوان تسيره غرائزه وانفعالاته الوقتية فقط، وكذلك الشأن في الإنسان البدائي، فإذا ارتقى وجدنا عاملا جديدا يظهر في تسيير تصرفاته وهو الفكر والعقل، ونراه محكوما بهما معا، وكلما رقى الإنسان كان الفكر أظهر في تصرفه، ووجدنا الحدود الفاصلة بين العواطف والفكر تتكسر، فعواطفه تلطفها الفكرة وتهدئها الحكمة، وعقله تحمسه العاطفة ويزيد حرارته الشعور والانفعالات، ووجدنا العلاقة بين عواطفه وفكره علاقة متينة، ذلك لأنه إن عاش بعواطفه وانفعالاته فقط لم يكن هناك تفاهم بينه وبين غيره إلا من شعر مثل شعوره؛ لأن أساس التفاهم هو العقل، فمن قال: إني أحب هذا الشيء أو أكرهه، ولم يزد على ذلك لم يكن هناك سبيل إلى مناقشته وإقناعه بخطئه، ولأن الخضوع للعواطف وحدها عرضة للاندفاع السريع ثم التراجع السريع، كما نشاهد في الحب الذي لم يؤسس على التفكير، ولا على النظر في العواقب، فهو انفعال مؤقت كثيرا ما يعقبه فشل أليم، وعلى العكس من ذلك العواطف بعد التفكير، والاندفاع بعد العلم والتأمل، ولو تتبعت أكثر الناس الذين يسيرون وراء عواطفهم فقط لوجدت عاقبتهم الفشل دائما، فمن يغضب لأقل سبب ويحب لأول نظرة، ويندفع لداعي الغريزة لم يستطع السير في الحياة طويلا، ولا بد للنجاح من عواطف يحكمها الفكر، وأفكار تحمسها العواطف.

يتطلب ضبط العواطف كظم الغيظ عند دواعي الغضب، والاعتدال في الانفعال عند بواعث السرور والحزن، والتؤدة والتفكير عند إصدار الحكم، والتفكير عند نزوات الهوى، فلا إفراط في السرور والحزن ولا الغضب، ولا نحو ذلك من أنواع الانفعال.

وهو فضيلة في الأمم كما هو فضيلة في الأفراد، فقد تكون حدة العواطف في الأمة سببا في شقائها، فكثيرا ما تعرض للأمة أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فيمكنها أن تجتازها بضبط عواطفها، وتلطيف انفعالاتها، والحكمة في تصرفاتها، ووزن عواقبها، على حين أنها تعرض نفسها للخطر إذا انقادت لعواطفها من غير تفكير.

ضبط العواطف في الفرد يكتسب بالمران والتعود، فلا يزال المرء يغضب فيكظم ثم يغضب فيكظم حتى يكون حليما، ولا يزال يقاوم نفسه فلا يندفع في سروره وحزنه حتى يكون حكيما، وكثيرا ما تكون حدة العواطف نتيجة قصر النظر وضيق العقل، فإذا هو وسع أفقه وجرب الحياة ودرس الأشياء ونتائجها علم كيف يضبط نفسه.

أما تربية هذا الخلق في الأمة، فهو - أولا - في يد الرأي العام، فإذا احتقر الناس الغضوب لغضبه، والجبان لخوفه، والمرح لاستهتاره، والحزين لجزعه، تصلب عود الأمة وانضبطت عواطفها واعتدلت في انفعالاتها.

وهو - ثانيا - في يد قادتها، فالأمة تحتاج في طور تكونها إلى مثل عليا من قادتهم يقتدون بها، فإذا رأتهم قد ضبطوا عواطفهم إذا اختلفوا، وحفظوا ألسنتهم إذا غضبوا، وضحوا بشهواتهم إذا أزموا، كانت كل هذه دروسا للشعب يحتذي حذوهم ويسير على منهجهم، ثم قادة الفنون في الأمة يجب أن يتخلوا عن هذه الميوعة في العواطف، فالغناء يجب ألا يكون كله ذوبانا في العشق وهياما في الغرام، والأدب لا بد أن يكون مما يبعث القوة في النفس، ويسبب الصحة في العاطفة، والتمثيل يجب أن يكون معتدلا في العاطفة طبيعيا في الإخراج، ويعلم الناس أن ليست أحسن الروايات ما أسالت الدموع، ولا بعثت على القهقهة العالية، إنما أحسنها ما أثار عاطفة صحيحة لا مريضة، وبعث على التبسم اللطيف أو الحزن الهادئ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٤٨