وقد أرضاه هذا الكلام على علاته، وصادف حالة الرضا من حالاته.
ولكن لعل ألطف ما حدث في هذا الباب مجلس مثل هذا، أثار فيه تيمور سؤالا من أسئلته المحرجة، وهو: أيهما أعلى، درجة العلم أم درجة النسب؟
وموضع الإحراج فيه أن تيمور يعتز بنسبه لا بعلمه، والعلماء يعتزون بعلمهم لا بأنسابهم، ويقررون أن شرف العلم فوق شرف النسب.
سمع العلماء هذا السؤال فوجموا وأحجموا عن الجواب، ولكن أحدهم تردد بين أن يسكت سكوتهم أو يجهر برأيه، ولم يلبث إلا قليلا حتى أخذته الحمية الدينية والعصبية للحق، كان هذا العالم هو شمس الدين النابلسي الحنبلي، اشتهر بالعلم الواسع، حتى لقب بالجنة؛ لأن لديه من العلم ما تشتهيه الأنفس.
لم تطاوعه نفسه أن يكون لبقا كابن الشحنة وابن خلدون، ولا أن يواري ويداري كما فعل غيره، ولكنه أراد أن يكون صريحا كل الصراحة صادقا كل الصدق، وأراد أن يقول الحقيقة كلها عارية، صرخ في وجه تيمور وقال: «العلم أعلى من النسب» ولم يكتف بذلك، بل استدل بأدلة في الصميم مما يكره تيمور، فقال: الدليل على ذلك أن الصحابة أجمعت على تقديم أبي بكر على علي، لأن أبا بكر أعلم، وإن كان نسب علي أشرف.
وما أتم هذا حتى أدرك نتيجة ما فعل، فلم يتراجع ولم يجمجم وصمم على أن يتم فصول الرواية فأتمها بفصل ظريف حقا.
نظر الحاضرون فرأوه يفك أزراره ويخلع إزاره، فدهشوا ودهش تيمور، وسأل: ماذا تصنع؟ فقال: إني قلت ما قلت وأنا أعلم بنتيجته، فأنا أستعد للسعادة، وأختم حياتي بالشهادة.
وعلا الجميع رهبة رهيبة، وشدت أعينهم بلسان تيمور، ينظرون بماذا يأمر وبأي نوع من القتل يشير، وهم يعلمون أنه يقتل بالظنة، ويخسف بالناس الأرض للكلمة الخفيفة، وللقول يحتمل التأويل، فكيف بهذا وقد بلغ الغاية في الإساءة وتجاوز الحد في الصراحة؟ ولكن الله مقلب القلوب أجرى على لسان تيمور هذا القول ولم يزد عليه: «لا يدخلن علي هذا بعد اليوم».
| ضبط العواطف
تختلف الأمم في ضبط العواطف اختلافا كبيرا كاختلاف الأفراد، فبعضهم حاد المزاج سريع الانفعال، وبعضهم هادئ المزاج بطيء الانفعال، وكذلك الشأن في الأمم، فهي تختلف في حدة عواطفها وبرودتها ومقدار انفعالاتها أمام الحوادث، ودرجة حزنها وسرورها وخوفها وطمأنينتها إلى غير ذلك.
ولعلنا إذا قارنا الأمة المصرية بغيرها من الأمم الأوربية وجدناها من أكثر الأمم حدة عواطف وشدة انفعال، وذلك يظهر في مظاهر شتى.
من ذلك أنها تبالغ في مظاهر فرحها وحزنها، فالميت إذا مات فانفعالات شديدة جدا يتبعها مظاهر قوية من عويل وصراخ، ومغالاة في إقامة المآتم وما إلى ذلك، وكذلك الشأن في الأفراح، مظاهر زائطة وطبل وزمر عنيفان ومبالغة في الحفلات وما إلى ذلك.
نقارن بين ذلك وبين مثل هذه المظاهر في بعض الأمم الأخرى، فنجد الهدوء والاقتصاد في العواطف والاقتصاد في مظاهرها، وأسوق مثلا من هذا القبيل، فقد كان لدينا في الجامعة المصرية أستاذ أجنبي في الثامنة والأربعين من عمره، عاد إلى بلاده في الصيف فخرج يتروض فتسلق جبلا فزلت قدمه وما زال ينحدر ويتخبط في الصخور حتى فارق الحياة - بلغني أن الخبر وصل إلى زوجته وصادف أن أباها كان يزورها ويقضي ليلة عندها، فكتمت الخبر عنه وكتمت عواطفها وإذا احتاجت إلى البكاء انفردت في حجرتها وبكت، فإذا ظهرت أمام أبيها تجلدت، حتى أمضى أبوها ليلته هادئا لم يعكر صفوه شيء ثم رحل في الصباح، ثم أعلنت هي وفاة زوجها العزيز عليها في هدوء.
ومن مظاهر حدة العواطف الخوف من الأمور الصغيرة، والفزع الشديد من الحوادث التي قد تكون تافهة، والغضب الشديد للكلمة النابية، والوصول إلى أقصى حد في الانفعال للحوادث اليومية، التي يكفي لمرورها غض الطرف عنها، إلى كثير من أمثال ذلك.