وكان لتيمورلنك إمام يصلي به، وهو عالم جليل يتولى أمام تيمور مناقشة العلماء وجدالهم، وهو عبد الجبار المعتزلي الحنفي الخوارزمي، برع في فنون العلم ومهر في الفقه والأصول واللغة والبلاغة والأدب، وكان فصيحا في اللغات الثلاث: العربية والفارسية والتركية، له جاه عند تيمور، يلطف من حدته وقسوته أحيانا، وقد صحبه في فتح الشام وتولى أمامه مناقشة علمائه وإحراجهم بالأسئلة العويصة.
من ذلك أنه لما فتح «حلب» واستولى على قلعتها، دعا علماءها وقضاتها، فانتخبوا من بينهم من يجيب عنهم وهو ابن الشحنة أحد العلماء المشهورين، كان من أصل تركي وتولى القضاء بحلب، وله كتابه التاريخ المعروف، واشتغل بالحركات السياسية في مصر والشام.
انعقد المجلس وفيه تيمور وعبد الجبار والعلماء، فقال عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنه بالأمس قتل منا، وقتل منكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع، وقال العلماء في أنفسهم: هذا والله ما بلغنا عنه من التعنت.
وأحرج ابن الشحنة حقا، أيقول قتيلكم فيكذب نفسه ويغضب ربه، أو يقول قتيلنا فسيف تيمور على رأسه؟
ولكنه كان داهية ملهما، فقال: هذا سؤال سئل عنه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأجاب عنه.
فبهت الحاضرون وظنوا أن الشيخ أدركه الخبل، وغضب تيمور وقال: أيسخر من كلامي، كيف سئل رسول الله، وكيف أجاب؟! قال: جاء أعرابي إلى رسول الله وقال: يا رسول الله، إن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، فأينا في سبيل الله؟ فقال رسول الله: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد».
فسر تيمور لهذا الجواب، وأعجب بدهاء الشيخ ولطف بديهته، وأخذ يؤانس العلماء.
ثم أخذ يسألهم أسئلة أخرى، فلما شعروا بلطفه نقضوا توكيلهم للشيخ ابن الشحنة، وأخذوا يتسابقون للإجابة، ولم يكونوا في مهارته ولا خبرته.
كان تيمور شيعيا يفضل عليا على أبي بكر وعمر، وكان يكره من أهل الشام نصرتهم لمعاوية وقتالهم عليا، ولكن العلماء لا يدرون ذلك، إنما يدريه الشيخ ابن الشحنة الداهية المؤرخ.
سأل تيمور ابن الشحنة: ما تقول في علي ومعاوية ويزيد؟ فقبل أن يجيب ابن الشحنة أجاب القاضي علم الدين فقال: الكل مجتهدون، والكل على صواب، فغضب تيمور غضبا شديدا، وسب أهل حلب وقال: أنتم حلبيون وتابعون لأهل دمشق، وهم يزيديون، قتلوا الحسين وأعانوا يزيد.
فكانت ربكة، وكانت حيرة، وكان وجوم.
ولكن ابن الشحنة أنقذ الموقف أيضا، فقال: إن الشيخ علم الدين أجاب بشيء وجده في كتاب لا يعرف معناه، فسري عن تيمور وعاد إليه بشره.
وانتقل بعد ذلك تيمور إلى دمشق وفتحها، ووقف من علمائها موقفه في حلب.
فذهب إليه جماعة من العلماء وعلى رأسهم الداهية المؤرخ الآخر ابن خلدون، وذهب إليه بلباسه المغربي، وزيه الأنيق الرقيق، وقد أنابه العلماء أيضا في الكلام عنهم، ورضوا بأقواله لهم أو عليهم، فعرف تيمور من شكله وزيه أنه ليس من أهل هذه البلاد، ثم دعاهم تيمور إلى الطعام، ومد سماطا كوم عليه اللحم تلالا، فمنهم من أكل، ومنهم من جبن، وجعل تيمور يلحظهم ويتفرس فيهم، وابن خلدون يسترق النظر إليه، فإذا وقعت عينه على عين تيمور أطرق، وإذا ولى عنه رمق، ثم جاءت فرصة الكلام، فقال ابن خلدون كلام اللبق الحاذق الماكر، قال: رأيت الملوك، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها، وخالطت ملوكها وأمراءها، ولكن الله من علي بأن أحياني حتى رأيت الملك على الحقيقة، وطعام الملوك إن كان يؤكل لدفع التلف، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك وللفخر والشرف، فسر تيمور بذلك، وسأله عما يعرف من أحوال البلاد وأخبارها.
واجتمع يوما علماء دمشق بين يدي تيمور، فأثار ثانية مسألة علي ومعاوية، إذ هي أنسب المسائل التي يتذرع بها للتنكيل بأهل الشام، وذكر يزيد ومقتل الحسين، وقال: إن هذه الأعمال كانت بمظاهرة أهل الشام، فإن كانوا مستحليها فهم كفار، وإن كانوا غير مستحليها فهم عصاة أشرار، وقد هدأ من ثائرته أحد العلماء محمد بن عمر المعروف بأبي الطيب، فقال: إن نسبي يتصل بعمر وعثمان، وكان جدي الأعلى ممن حضر تلك الوقائع، وقد توصل إلى رأس الحسين ونظفه وغسله ودفنه، ولذلك سموه أبا الطيب، وتلك أيها الأمير أمة قد خلت، وفتن أزاحها الله عنا، ودماء طهر الله سيوفنا منها، فلا خير في إعادة الماضي ونبش ما دفن.