ولطيفة أخرى له، وهو أنه خالف معاوية واشتد في مخالفته، وخالف عثمان واشتد في مخالفته، ولكنه رأى أن الأمور لا تصلح إلا بطاعة من بيده الأمر بعد أن يبين له وجه الحق في صراحة، وأنه إذا عمل كل حسب رأيه من غير طاعة لرئيس أصبح الناس فوضى، فكان هذا من أجمل المواقف لأبي ذر، حدث المؤرخون: «أن أبا ذر وعثمان تناجيا حتى ارتفعت أصواتهما، ثم خرج أبو ذر مبتسما، فأتاه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا ذر، فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لنا راية (؟) (يريدون راية الثورة)، قال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا علي ذاك، ولا تذلوا السلطان، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو سيرني ما بين المشرق والمغرب لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي». رحم الله أبا ذر، فقد كان محبا للحق، مخلصا له جاهرا به ملتزما له.
| العلماء في حضرة تيمورلنك
كان تيمورلنك من هؤلاء الأفذاذ الذين يظهرون من آن لآخر في التاريخ، فيصبغون أديم الأرض بالدماء، أمثال الإسكندر وهولاكو ونابليون، ويتجلى عليهم الله باسم المنتقم الجبار، كما يتجلى على الأنبياء باسم الرحمن الرحيم أو الهادي الأمين.
تواتيهم الظروف وتسعفهم الأقدار، فيقطعون الأرض طولا وعرضا، وشرقا وغربا، كما يقطع اللاعب رقعة الشطرنج، فيخربون ويدمرون، وينكلون بمن يقف في سبيلهم، أو تحدثه نفسه بصدهم، قد جردوا من ضمير مؤنب، أو وجدان مشفق، تلذهم الدماء كما يلذ الأكل الشهي النهم الأكول، أو كما يلذ الماء الزلال الظامئ الصادي، كأن بينهم وبين الإنسانية ثأرا، فلا يهدأون حتى يقضوا عليها، ويطووا صحيفتها، وهم مع هذا كله يعتقدون أن العناية الإلهية أرسلتهم ليدفعوا الظلم، وينشروا في الأرض راية العدل! وويل للإنسان من العقل، فهو قدير أن يسمي أقسى الظلم غاية العدل، وأن يسمي التخريب تعميرا، وأن يسمي الوحشية إنسانية، وهو في كل ذلك يجد المنطق الذي يخدمه، والبرهان الذي يؤيده. •••
كان لتيمورلنك قلب أقسى من الحديد، وأصلب من الجلمود، لا تأخذه رأفة، ولا تلجه رحمة، سلط على ممالك آسيا فدوخها، وصاد سلاطينها، وأباد البلاد، وأهلك الحرث والنسل، وأزهق النفوس، وبنى القلاع من الرءوس، وكان كما حدث عن نفسه: «في قدمه ثلاثة أشياء: الخراب والقحط والوباء».
ولكن كان له بجانب قسوته وغلظته جوانب غريبة، كان له فراسة في الأشخاص ولا فراسة إياس، تستخرج من أعماق الصدور ما لا يستخرجه القياس، وكان إلى هذا يألف الأولياء والعلماء، وتلذه مجالسهم ورؤيتهم، وأحاديثهم ومناقشتهم، يستمد البركة من الأولياء، ويزورهم ويطلب دعاءهم، وإذا فتح بلدة دعا علماءها للمجادلة معهم.
سمع - وهو بخراسان - عن ولي من أولياء الله ذي كرامات ظاهرة ومكاشفات صادقة، اسمه زين الدين أبو بكر الخوافي، فقصده تيمورلنك ونزل عن فرسه ودخل عليه، فقام الشيخ له، فانحنى تيمورلنك على رجله يقبلها، فوضع الشيخ يده على ظهره ثم رفعها، فقال تيمور: «لو لم يرفع الشيخ يده لقضى علي، فقد تصورت أن السماء تقع على الأرض وأنا بينهما»، ثم جلس في أدب بين يدي الشيخ وقال له: لم لا تأمرون ملوككم بالعدل بين الرعية؟ فقال له الشيخ: أمرناهم فلم يأتمروا فسلطناك عليهم، ففرح تيمور بهذا وقال: «ملكت الدنيا ورب الكعبة».
هذا موقفه من الأولياء يحترمهم ويطلب الدعاء منهم ويعتقد فيهم، ولكن موقفه من العلماء كان غير ذلك، يتفرس فيهم ومن زل منهم لا يرحمه، يلعب بهم كما يلعب الذئب بالحمل أو القط بالفأر، ويلذه فيهم أن يوجه إليهم الأسئلة المحرجة وينتظر كيف يجبيون وكيف يخرجون من المأزق الذي وضعهم فيه، ثم هو بعد ذلك حسب أحواله، فتارة يسر من الإجابة ويبسم، وأحيانا يعبس، وأحيانا يعفو، وأحيانا يقتل.