تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا عجب وهذا هو الشأن أن يصطدم أبو ذر بمعاوية اصطداما عنيفا، وأبو ذر على بساطته وبداوته وفقره لم يكن رجلا هينا، يستطيع معاوية - على عظمته وسلطانه وسعة حيلته - أن يتغلب عليه في سهولة ويسر، فقد كان أبو ذر حارا في عقيدته، والعقيدة الحارة تزلزل الجبال، وكان لسنا يجيد التعبير عما في نفسه، فيبلغ ببيانه من نفوس سامعيه مبلغا كبيرا يخيف معاوية، ولكن ماذا حدث؟ حدث أن معاوية في الشام كان إذا جاءه مال من ضرائب أو خراج أو نحو ذلك احتجز بعضه للصرف على المصالح العامة التي منها مصارف السياسة التي أشرنا إليها، وكان معاوية يسمي هذا الجزء المحتجز «مال الله»، تمشيا مع قوله تعالى:

واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه

ومعنى مال الله أن الإمام يصرفه حيث يشاء في المصالح العامة، فلم يرض أبا ذر هذا الرأي، ولا هذه التسمية، ورأى أن المال يجب أن يصرف أولا في سد حاجة الفقراء، وأنه يجب أن يسمى مال المسلمين.

وذهب إلى معاوية، وقال له: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟! قال أبو ذر: فإني لا أقول: إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين. اختلفت نظرية أبي ذر ومن تبعه، ونظرية معاوية ومن على رأيه ومنهم الخليفة عثمان، فعثمان ومعاوية ومن على رأيهما يرون أن وسائل الكسب حرة مفتحة أمام الجميع، فمن استطاع أن يغتني من طرقها المشروعة فليغتن، فإذا اغتنى وجب عليه أن يؤدي الزكاة للفقراء على حسب الشريعة، ثم هو بعد ذلك حر في أن ينعم بالحياة أو يزهد فيها، فإذا هو شاء النعيم في حدود ما أحل الله، فلا حرج عليه في ذلك، وقد عبر عن ذلك كله عثمان بن عفان بقوله لأبي ذر: «يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد».

وأما نظرية أبي ذر فهي أن الناس مطالبون أن يعينوا بمالهم الفقراء، وأن الزكاة ليست هي كل ما يجب، وإنما هو الواجب القانوني، ووراء هذا الواجب القانوني واجب أخلاقي وديني، وهو معاونة البائسين والمحتاجين حتى يذهب بؤسهم واحتياجهم، وليس لأحد أن ينعم كل النعيم وجاره بائس كل البؤس، وقد عبر عن ذلك بقوله لعثمان: «لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات».

على كل حال اصطدمت النظريتان، وأحس معاوية بخطر أبي ذر في الشام، وأن دعوته خطرة من جهتين، من جهة خطرها على حرية الغنى، وحرية العمل، وحرية الكسب، وحرية الاستمتاع بالحياة، ومن جهة أخرى أن بعض رءوس الفساد يستغل هذه الدعوة، ويستغل طهارة أبي ذر فيشعل الفتنة في التأليب عليه وعلى دولته.

فكتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر ودعوته، فكتب إليه عثمان: «إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعيبتها، فلم يبق إلا أن تثبت، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر، وابعث معه دليلا وزوده وارفق به».

فبعث إليه أبا ذر فحاجه عثمان فلم يقنعه، وطلب إليه أن يسمح له بالخروج إلى بلدة بعيدة عن الناس، فسمح له فخرج إلى الربذة (وهي قرية على ثلاثة أميال من المدينة في طريق مكة)، وما زال بها حتى مات رحمه الله.

لقد كانت أكبر ميزة فيه حبه للحق، وصراحته فيه، وعمله وفق عقيدته، لقد اعتقد هذه العقيدة في المال فألزم نفسه اتباعها، ولقد كان - على فقره - يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه، ويقدم لهم ما عنده من تمر، ثم يعتذر إليهم ويقول: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به، ويبيت أحيانا على الطوى، وعرف منه رسول الله هذا الخلق، فقال: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٤٣