وكان لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
نظر صائب في الأشخاص ومواضع قوتهم وضعفهم، وكان يوجه كلا حسب استعداده وما يصلح له، ويلقي بالنصيحة لكل فتذهب خبثه، وتصهر نفسه.
ولقد كانت نصيحته الكبرى لأبي ذر التي تتفق ونفسه، وما عرف عنه من قول الحق والدفاع عنه ما حدث به أبو ذر أنه قال: «أوصاني رسول الله أن أحب المساكين وأدنو منهم وأنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر لمن هو فوقي، وألا أسأل أحدا شيئا، وأن أصل الرحم، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وألا أخاف في الله لومة لائم».
وقد نفذ أبو ذر هذه النصيحة في دقة، فلم يحد عنها.
جاءت الدنيا بخيرها ونعيمها، فعمت العرب، واغتنى بعض أهل الصفة، وظل أبو ذر متلذذا من فقره، متخففا من حاجاته، متعففا عن الغنى حتى لقي ربه.
يعطى العطاء فينفقه على الفقراء، ويتصدق به على المحتاجين، ولا يدخر لنفسه إلا القليل، يرى من النعم الكبرى عليه أن له ثوبين، ثوبا لبيته وثوبا للمسجد، وله أعنزا يحلبها، وله أحمرة يحمل عليها الميرة، وعنده من يخدمه ويكفيه مهنة طعامه، ويقول فأي نعمة أفضل مما أنا فيه، ويحلب غنيماته فيبدأ بجيرانه وأضيافه، ويبقي القليل لنفسه، ويرفق بزوجته السحماء السوداء، ولا يقبل نصيحة أصحابه في أن يتزوج غيرها.
ميزة أبي ذر الكبرى هي ما نصحه به رسول الله أن يقول الحق ولو كان مرا، فقد تجلت فيه هذه الصفة على أتمها، حتى اعترف له بها كل الناس، وحتى روي عن علي أنه قال: «لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر، ولا نفسي، وأشار بيده إلى صدره»، وكان أبو ذر نفسه يقول: «ما زلت آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر حتى ما ترك الحق لي صديقا».
تجلت فيه هذه الموهبة على أتمها - فيما تجلت - في آخر أيامه، وقد ذهب إلى دمشق، وواليها معاوية من قبل عثمان، والبلد تزخر بالنعيم، وتتدفق بالذهب والفضة، والناس ينعمون بأطايب العيش ومتع الحياة، وكان قد ذاق وذاق معه كثيرون ألم الفقر في الحجاز، وجرب بنفسه آلام البؤس، فحز في نفسه ترف هؤلاء، وبؤس هؤلاء، وتلا قوله تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
فتملكته عقيدة أنه لا يصح الإفراط في الترف بجانب الإفراط في البؤس.
اصطدم أبو ذر بمعاوية، وطبيعي أن يصطدما، فمعاوية رجل سياسي، محاور مداور، فيه الاعتزاز بالأرستقراطية العربية، من اعتداد الحسب والنسب، فأبوه أبو سفيان سيد بني أمية، والخليفة عثمان من بيته، وأبو ذر رجل من سواد الناس لا يعتز إلا بدينه وخلقه، ومعاوية هو الوارث في إمارته بالشام ملك الرومان وزهوهم وفخامتهم وجبروتهم وأبهتهم، يسكن القصور الفخمة ويعيش العيشة المترفة الناعمة ويتلو قوله تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، وأبو ذر بدوي لا يملك إلا أعنزا وثوبين وقليلا من الميرة ويعيش حتى في دمشق في خيمة من الشعر، ويرى الذهب والفضة نارا لا يصح أن تلمسها يده فتحترق، ويتلو قوله تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، ومعاوية سياسي ينظر للمال على أنه يخدم السياسة ويدعم الملك والإمارة، فهو يتألف به قلوب النافرين، ويقرب به نفوس الثائرين، ويهبه للشعراء يشيدون بذكره ويعلون من شأن بيته، ويمكنون له في سلطانه، ويهجون المنحرفين عنه، والناقمين عليه وما إلى ذلك من أفانين السياسة، وأبو ذر رجل صريح لا شأن له بالإمارة، وقد عرف فيه رسول الله ذلك، فقال له: «لا تأمرن على اثنين»، فهو ينظر إلى الأمور نظرة صريحة مجردة من اعتبارات السياسة وملابساتها، ويرى أن المال إنما جعل وسيلة لإسعاد الناس، وسد حاجات البائسين، وإعانة المعوزين، لا لترف المترفين، ولا لإعطاء الشعراء والمادحين والثائرين، ولا لكنز الكانزين، وأن المال خلق لسد الضرورات أولا، ولترف المترفين أخيرا.