تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودقت الساعة مؤذنة بالانصراف فتفرقنا، وكانت جلسة روحها خفيفة، وقرفتها خفيفة، أليس كذلك؟

| أبو ذر الغفاري

لم يكن أبو ذر بطلا من أبطال الحروب تؤثر عنه المغامرات الحربية وتؤثر عنه الانتصارات والفتوح، ولكنه بطل من نوع آخر، هو الإصرار على الحق والمجاهرة به والتضحية في سبيل قوله والدعوة إليه بنفسه وماله، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تفزعه سطوة حاكم.

هو من قبيلة تسمى غفار، قبيلة مضرية كانت تسكن الحجاز على الطريق بين مكة والمدينة، ولم يكن عظيما في قومه، يستند - كعادة الجاهلية - في عظمته على الحسب والنسب، والمال والثروة، وإنما كان عظيما في عقله، يحكمه في دينه وفي عقيدته، ويستطيع إدراك ما هو خير وما هو شر، لذلك يؤثر عنه أنه قبل الإسلام أدرك سخافة عبادة الأصنام وتحرر منها، ومال إلى عبادة الله وحده، على نحو غامض لم ينكشف له تمام الانكشاف إلا بالإسلام.

وأدرك قومه الجدب فرحل مع بعض أهل بيته إلى بعض أقاربه في أعلى نجد، ولكنه لم يسترح هناك فهاجر إلى مكة، وصادف عند هجرته أول دعوة محمد

صلى الله عليه وسلم

إلى الإسلام، وسمع الناس في مكة يتحدثون بمحمد هل هو نبي أو ساحر أو شاعر أو مجنون، فأحب أن يخبر الخبر بنفسه ويعرف كنه دعوته، ويحكم في ذلك عقله هو لا كلام الناس، وساعده على ذلك أنه نفسه كان ثائرا على الأصنام، فلما سمع بثائر آخر أحب أن يعرف دعوته، فتلمس لقاء محمد حتى وجده، وأصغى إليه، وإلى أساس تعاليمه، فعرف فيها الخير، فسرعان ما آمن قبل أن يؤمن الناس، وكان خامس مؤمن.

ولكنه لما آمن تحرك طبعه من حب مجاهرته للحق، فلم يشأ أن يسكت وقد نصح بالسكوت، فتعرض لصناديد قريش وجهر فيهم بالإسلام، فأوذي وضرب ضربا شديدا حتى كاد يقضى عليه لولا أن تدخل العباس وقال لقريش: يا معشر قريش أنتم تجار، وطريقكم على غفار، أتريدون أن يقطع الطريق عليكم، فكفوا عنه، وعاود ذلك فعادوا، فأدرك النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه لن يسكت، وأنه معرض للقتل، فأمره أن يلحق بقومه حتى إذا ظهرت الدعوة فليأته، فرجع إلى بلده يدعو بعقيدته، ثم ظهر بعد أن هاجر النبي

صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة وبعد غزوة بدر وأحد، فإن أبا ذر لم يشهدهما.

وكان أبو ذر من أهل الصفة، والصفة موضع مظلل في مسجد المدينة كان يأوي إليه فقراء الصحابة ممن لم يكن له منزل يسكنه، كانوا فقراء فكان يمدهم الأغنياء بمالهم، ويقدمون إليهم طعامهم ويستضيفونهم في منازلهم، وإذا أتى النبي صدقة بعثها إليهم، يلبسون رقيق الثياب ويأكلون تافه الطعام، وكانوا يختلفون في العدد من حين إلى الآخر، فكانوا أحيانا سبعين وأحيانا دون ذلك أو أكثر من ذلك، وكان النبي يزورهم في مكانهم الفينة بعد الفينة ويحدثهم ويصغي إليهم، ولأنه كان يقوم الأشياء والناس غير التقويم الجاهلي من الاعتزاز بالمال والنسب، وإنما يقومهم بالأخلاق والعمل، كان يكرم هؤلاء ويقدرهم ولا يرى غضاضة في الجلوس إليهم، وكان صناديد العرب يأنفون من ذلك ويعدونهم عبيدا أذلاء لا يصح أن يجالسوهم، فلما جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وأمثالهما إلى المسجد طلبوا من النبي أن يفردهم بالجلوس وقالوا: إنا نستحي أن ترانا العرب قعودا مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فنزل قوله تعالى:

ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه

وقوله:

واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ، وكان من أهل الصفة هؤلاء أمثال أبي ذر وسلمان الفارسي وبلال وأبي سعيد الخدري وغيرهم.

كانت ميزتهم المشتركة بينهم الفقر، وكثرة الاتصال برسول الله، ثم هم يختلفون بعد ذلك في مزاياهم الشخصية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٤١