كانت المدنية الحديثة مشكلة كبرى أمامنا، كيف نحدد موقفنا إزاءها؟ وقد عرضت هذه المشكلة لكل أمة مسلمة، في الهند، في الشام، في فارس، في العراق، في تركيا، في مصر، وقد رأينا أنه في كل قطر تقريبا، وجد مذهبان مختلفان لحل هذه المشكلة، وطريقة الإصلاح التي يدخلونها على الأمة، فأما طائفة فرأت حصر الدين في دائرة ضيقة جدا؛ لأنه فقد مرونته، وفقد أهله مرونتهم، ولتكن هذه الدائرة دائرة العبادات والأحوال الشخصية، وأما ما عدا ذلك من نظم الحكم وقوانين البلاد وما إلى ذلك من مرافق الحياة، فيجب أن يتجه فيها إلى أوربا ونظمها وقوانينها، فهذه باب الاجتهاد فيها مفتوح والمرونة فيها على أتمها، فلندرس ما وصلت إليه أوربا في السياسة، وفي الإصلاح الاجتماعي، ولنجتهد فيه ولنأخذ منه ما يصلح للأمم الشرقية، وليبق باب الاجتهاد مفتوحا على مصراعيه، كلما جد في أوربا جديد اقتبسنا منه، وكلما تغير الزمن عندنا غيرنا ما يتفق والعقل والمصلحة، قالوا: لقد فصلت أوربا بين الدين والدولة فلنفصل نحن أيضا، ولنجعل حدود الدين في العبادات وما يتصل بها، ولنجعل حدود الدولة واسعة كل السعة، وليكن شارعونا في الدولة ممن علموا على النمط الغربي، وممن يحكمون العقل المطلق ويجتهدون الاجتهاد المطلق، وبدل أن كان يشترط في المجتهد المطلق العلم بكليات الشريعة ومقاصدها ومراميها نشترط نحن أن يكون عالما بمقاصد المدنية الغربية وكلياتها ومراميها، ذلك لأنا أمام مدنية تشبه التي واجهتها جزيرة العرب أيام عمر بن الخطاب، بل هي أشد تعقدا وتركبا: معاملات جديدة أشكال وألوان، ومخترعات جديدة، ونظم سياسية جديدة، وكل شيء جديد، فما لم نواجهها باجتهاد مطلق قوي واسع المدارك وقفنا مشلولين، ولا أمل في مرونة كالمرونة الأولى أيام عمر - في العصور الحاضرة على الأقل - فوجب أن نجتهد اجتهادا آخر، أساسه العقل المطلق، وقياس المنفعة والمضرة من غير قيد، ولنؤسس القومية والوطنية كما أسستها أوربا؟ ولينظر كل وطن وكل قوم في مصالحهم حسبما ترشدهم إلى ذلك عقول مجتهديهم.
وبجانب هؤلاء دعاة آخرون يرون أن الإسلام في أساسه عنصر صالح كل الصلاحية، يحمل في ثناياه المرونة الكافية - كما أسلفنا - وجمود أهله عارض، وقشرة ظاهرية إذا أزلناها بقي على صلاحيته، والأمم الإسلامية قد تأقلمت بالإسلام أجيالا طوالا حتى صار في لحمها ودمها، فإذا جئتها بمبادئ جديدة بعيدة عنها اضطربت أمزجتها وحياتها بين الموروث والمكتسب، وهذه المدنية الغربية إنما تنفع بحذافيرها في البيئة الغربية، وأساس تعاليم الإسلام عدم التفرقة بين شئون الدين وشئون الدنيا، فالعمل شيء واحد له وجهان دائما: وجه دنيوي ظاهري، ووجه ديني يتعلق بالنية، والمدنية الغربية قد فصلت بين الدين والدولة؛ لأن الدين المسيحي لم يتعرض لشئون الدنيا، فأمكن وضع الدين في دائرته، وتأسيس دائرة أخرى للدولة وشئونها؛ وقال هؤلاء للطائفة الأولى: ربما كان يكون قولكم صحيحا وحجتكم قوية لو أن المدنية الغربية برهنت على صلاحيتها للحياة، أما وكل يوم دليل جديد على فسادها، من حرب تهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من شرور، فأولى ألا نندمج هذا الاندماج، وألا ندعو إلى وطنيات وقوميات، وإنما إلى عالم إسلامي يطمح أن تعم مبادئه الإنسانية كلها، ثم أن نؤسس إصلاحاتنا الاجتماعية على أساس نظريات الإسلام، فذلك أقرب إلى قلب الأمة وأدعى إلى الإصغاء للدعوة وتلبيتها، نعم إن ذلك لا يكون إلا بإزالة القشرة الظاهرية التي غلفت الإسلام، والرجوع إلى عناصره الأولى، ومنها الاجتهاد المطلق، والمرونة الكافية، وهذا مطلب عسير، ولكنه ممكن.
إذا فكل فرقة من الفرقتين تدعو إلى الاجتهاد المطلق، وإن اختلف منبع كل.