تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالاجتهاد، بمرونة الاجتهاد، بعينين تفتح إحداهما على مقاصد الشريعة وأغراضها ومراميها وتفتح الثانية على الظروف الجديدة، والعوامل الجديدة، ويستخرج من بين هذين النظرين أحكام اجتهادية عدت نبراسا لمن جاء بعد من الفقهاء والشارعين، ولو لم يحصل هذا الظرف السعيد لوقف المسلمون حيارى أمام الحوادث الغريبة والتصرفات العجيبة، ولكن الإسلام رباهم هذه التربية المرنة، فسلحهم بالأصول وأسلس لهم في تطبيقها على الفروع، فحلوا المشكلات، واتقوا الأزمات، وضربوا بأعمالهم خير مثال يحتذى.

ومثل هذا ما حدث فعلا طوال العصر الأموي، والعصر العباسي الأول، نقرأ التاريخ فتأخذنا الروعة من كثرة المجتهدين ومرونة الشارعين، حتى أربوا على خمسمائة، يواجهون الأحداث، ويضعون لها الأحكام، كل حسب اجتهاده، وحسبما فهم من كليات الدين وأصول القواعد، فلم تحدث حادثة إلا لها حكمها، بل أحكامها، مقدرين الظروف، والمنافع والمضار، دارسين عادات البلاد وعرفها وتقاليدها، عالمين الحدود التي يتسامحون فيها؛ لأنها لا تتعارض مع كليات الدين، وعارفين الحدود التي لا يتسامحون فيها لمعارضتها لهذه الكليات.

ولم يشك الناس قط في تلك الأزمنة من عدم الاجتهاد وقلته، ومواجهة الأحداث الجديدة؛ فلئن كانت شكوى فقد كانت من كثرة الاجتهاد وكثرة الأحكام، حتى اضطرت الممالك الإسلامية أن تعالج هذه الحرية في الاجتهاد بأشكال مختلفة، ففي المشرق حاولوا معالجتها باختيار مجموعة للأحكام يعرفها الناس قبل التقاضي، كما روي من حديث أبي جفعر المنصور مع مالك في شأن الموطأ، وفي الأندلس ألفت رسميا جماعة تسمى جماعة الشورى، جعلت هي المرجع في الاجتهاد.

ثم كان - مع الأسف الشديد - أن جهل الناس هذا العنصر الأساسي في الإسلام، وهو الاجتهاد، فأغلقوا بابه فأغلقوا عليهم باب الرحمة، وإذا عدم الناس الاجتهاد أصابهم الركود، وتصلب العود، والزمان لا يقف أبدا، والحوادث تتجدد دائما، فإذا لم تواجه بالاجتهاد المرن، ولم ينتفع بتجددها، تخلف الناس عن زمانهم، وجمدت عقولهم، وسكنت حركتهم، وأصيبوا بالفقر العقلي، وهذا ما حدث للمسلمين فعلا.

وقد تدرج هذا التصلب من اجتهاد مطلق إلى اجتهاد في المذهب، إلى اجتهاد في الفتيا، إلى لا شيء.

وكان لهذا الركود أسباب تاريخية عدة، لا مجال لتفصيلها، أهمها القضاء على حرية الفكر التي كان يقوم بها المعتزلة، وغلبة بعض المحدثين في عهد المتوكل، ثم غلبة نوع من التصوف ينشر القول بالجبر، لا بالمعنى الفلسفي الذي هو ربط الأسباب بالمسببات، ولكن بمعنى التسليم المطلق لحوادث الدهر، من غير تدخل في شئونها، مطالبين أن يكون العبد كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، لا يكون له حركة ولا تدبير.

وقد أحس بعض كبار المسلمين بهذا الخطر الناشئ من ضياع الاجتهاد، فحاولوا محاولات عنيفة في هذا الباب، كما فعل عبد المؤمن بن علي في المغرب حول سنة 550ه، إذ وجد العلماء انهمكوا في الفروع، ورضوا بالتقليد، فأحرق كتب الفروع، وألزم العلماء بالاجتهاد وترك التقليد.

وكما فعل ابن تيمية عقب سقوط بغداد، إذ نادى بالاجتهاد ودعا إليه، ولقي في ذلك من العناء ما لا يوصف، ولكن مع الأسف ذهبت دعوتهم هباء.

إن وقوف الاجتهاد معناه الركود، معناه الحكم بالإعدام على العقل، معناه وقوف الناس حيث هم، وكذلك كان تاريخ المسلمين منذ القرن الخامس، حياتهم متكررة، ولا جديد ولا قائد ولا مجتهد يبعث على حركة، أو يحول الحركة إلى جهة صالحة.

ولم يكن إغلاق باب الاجتهاد مؤثرا على التشريع وحده، ولا على الإصلاح الاجتماعي وحده، بل شمل كل مرافق الحياة، فاللغة واقفة حيث وقف المتقدمون، والمعاجم كما كتب الأولون، والصناعات كما صنع السابقون، وهكذا، وظللنا كذلك حتى صفعتنا المدنية الحديثة فانتبهنا مذعورين.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٣٧