والعالم الإسلامي الآن حائر بين النزعتين والدعوتين، ويخيل إلي أن الدعوة الأولى غالبة والعمل يجري عليها والاتجاه إليها أقوى في صمت وسكون، والأمم الإسلامية تختلف في مدى تطبيقها والعمل بها، وربما عدت تركيا في طليعة الآخذين بها.
وعلى قادة العالم الإسلامي واجب قوي الآن، وهو إنقاذه من هذه الحيرة، ورسم الخطة المحكمة الحازمة التي يحب السير عليها ، وتنظيم الإصلاح الاجتماعي حسب الفصل في هذا الأساس، ويحب ألا يكون هذا الإصلاح ارتجالا، فليست تقبل إحدى هاتين الطائفتين هذا الإصلاح المرتجل؛ لأن الارتجال سير على غير هدى، وبناء من غير تصميم، وحبذا لو أمكن السير على الرأي الثاني، ولكنه - كما أسلفت - لا يمكن حتى يثبت أهله صلاحيتهم للمرونة، وللاجتهاد المطلق، والله الموفق.
| حديث الخميس (2)
وعدت القراء أن أوافيهم من حين إلى حين بما يدور مساء الخميس في «لجنة التأليف».
لقد كان حديث الليلة حديثا طريفا، فبعد أن التأم الجمع بدأ أحدنا يقص علينا عملا عمله في يومه، وأعقبه بقوله: «لقد كانت قرفته ثقيلة».
وهنا تعلق أحد الحاضرين بهذه الكلمة وسأل: من أين جاء هذا التعبير، فيقولون للعمل إذا سار في يسر وسهولة: «إن قرفته خفيفة» وإذا تعقد وارتبك: «إن قرفته ثقيلة»؟ وكلنا يعرف القرفة، وأنها نوع من الأفاويه يستعمله المصريون مشروبا ساخنا كالشاي، فكيف استعمل هذا الاستعمال الغريب؟
رد أحد الحاضرين بأن مصدر هذا الاستعمال حلقات الذكر، وقد جرت العادة أن يوزع فيها مشروب القرفة، ولكن توزيعها في هذه الحفلات فوضى في غير نظام ولا إتقان، فالقرفة تصنع على عجل وتوزع حيثما اتفق، فهذا يناله فنجان سكره خفيف، وهذا سكره كثير، وهذا قرفته خفيفة، وهذا قرفته ثقيلة - هذا أصل الاستعمال، ثم تطور المعنى، فصاروا يعبرون عن كل شيء خفيف الظل بأن قرفته خفيفة، وكل شيء ثقيل الظل بأن قرفته ثقيلة. - ولكن هناك ما هو أصعب من السؤال عن اللفظ وأعقد: ما معنى أن الشيء قرفته خفيفة أو ثقيلة؟ هل هو أمر يعود إلى أسباب طبيعية يمكن تفسيرها وشرحها، أو أن وراء هذه الأشياء الطبيعية التي نعلمها أشياء روحية نجهلها؟
تبلبل الحاضرون واختلفت الآراء. - أما أنا فإني أرى أن الأمر يمكن تفسيره بالقوانين الطبيعية، فالإنسان إذا كان معتدل المزاج، قوي النشاط، معدته صحيحة، ودورته الدموية نشيطة، وكبده في حالة جيدة، والعمل يناسبه، كانت قرفته خفيفة، وأما إذا ساء مزاجه، أو اضطربت معدته، أو ساءت حالة كبده، أو كان العمل ليس في مقدوره، كانت قرفته ثقيلة، وكل ذلك طبيعي ولا شيء غير الطبيعة. - وأما أنا فإني أرى أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأنه أعقد من أن يحل بهذه السرعة، لقد أكون معتدل المزاج، متوفر في كل الشروط التي ذكرتها، وأحيانا أعرض لعمل فيسهل، وأعرض لمثله أحيانا فيصعب.
لقد سكنت بيتا وكانت كل الدلائل تدل على حسنه، مبناه جميل، وهندسته جميلة، وحائز لكل الشروط الصحية، ومع ذلك كانت قرفته ثقيلة، بليت فيه بالمرض، وابتلي أولادي بالمرض، وأصبت فيه بالنكد، وكانت حياتي فيه سلسلة مصائب، حتى إذا انتقلت منه إلى بيت آخر زالت كل هذه الشرور. - وتصديقا لقولك، هذا رجل يتزوج زوجة قد لا تكون حسناء، ومع ذلك فهو سعيد موفق في تجارته، يأتيه الرزق من كل مكان، وتنهال عليه الخيرات وينعم بضروب السعادة، ثم تموت هذه الزوجة، ويتزوج غيرها قد تكون أجمل منها، ومع هذا يبتدئ يضيق رزقه ويقل مورده، وتكثر متاعبه، ولا يزال يتدهور حتى يصل إلى الحضيض، فكيف تفسر ذلك تفسيرا طبيعيا؟ - وهذا رجل يلعب نردا أو شطرنجا أو ورقا، فهو في أسبوع حسن الحظ جدا، يلعب فيكسب، ثم يلعب فيكسب، ويلي الأسبوع أسبوع آخر يلعب فيه فيخسر، ثم يلعب فيخسر، واللاعبون معه هم هم، وهو هو فكيف تفسير ذلك طبيعيا؟ - وهذا يوم اصطبحت فيه بشخص، فكان يوما أسود: ركبت سيارتي فتعطلت في الطريق، فاستأجرت أخرى فاصطدمت، وذهبت إلى عملي فكان غير موفق، واشتريت شيئا فكان سيئا، وعدت إلى بيتي فوجدت ابني قد رجع من المدرسة مكسور الذراع، ودعوت الطبيب فلم أجده، واصطبحت بشخص آخر يوما آخر، فكان كله توفيقا، فكيف نفسر ذلك تفسيرا طبيعيا؟ ولم تجمع كل الخذلان في يوم؟ ولم تجمع كل هذا التوفيق في يوم؟ إذ ذاك انقسم الحاضرون إلى معسكرين: معسكر يرى أنه لا شيء في هذا كله مما يصعب تفسيره تفسيرا طبيعيا، فلا شأن للبيت المشئوم في شؤمه، ولو كان من حدثت له هذه الأحداث في أي بيت لجرى له ما جرى، إلا أن يكون في البيت نفسه شيء غير طبيعي يخل بالصحة، ودليل ذلك أن البيت الواحد قد يسعد فيه قوم ويشقى آخرون، ولو كانت المسألة مسألة البيت لاتحدت نتائجه من سعادة أو شقاء دائما، بل إن البيت الواحد للأسرة الواحدة قد يكون مكان سعادة لها حينا وشقاء حينا لأسباب خارجة عن البيت نفسه.