فإذا نحن نظرنا إلى مجموعة من الناس - كأمة - وجدنا هذه الجمعية خاضعة لقوانين طبيعية من حيث شئونها الاقتصادية ونظمها الاجتماعية والسياسية، وهي خاضعة في كل خطوة من خطوات تقدمها أو تدهورها إلى هذه القوانين الطبيعية، ومن أجل الاختلاف في هذه القوانين الطبيعية اختلفت الأمم كما اختلف الأفراد قوة وضعفا وتماسكا وانحلالا، وصلاحية للبقاء وعدم صلاحية.
وشأن قوانين الجماعات كشأن قوانين الأفراد في قوتها ومضائها وعدم تخلفها، وإن اختلفت عنها في أن الأولى أصعب إدراكا وأشد اشتباكا.
أما بعد، فما السعادة والشقاء، و ما النجاح والفشل؟ ليست هذه الألفاظ إلا تعبيرا آخر مرادفا للسير على قوانين الطبيعة أو الخروج عليها.
إن للطبيعة إرادة لا تقهر، فمعاكسة قوانينها سبب الشقاء وسبب الفشل، وإطاعتها سبب السعادة وسبب النجاح.
قد يغتر ضيق النظر فيرى أمثلة من مخالفة قوانين الطبيعة ومعها سعادة، قد يرى قوانين الصحة تخالف ومع ذلك يبقى الجسم صحيحا، ويرى قوانين الأخلاق - وهي فرع من فروع القوانين الطبيعية - تخالف ثم يصحبها نجاح، وقوانين الاقتصاد تخالف ومع هذا يكون الغنى، ثم تطاع ويكون مع الطاعة الفقر، وهكذا، قد يكون هذا منظرا شائعا في الحياة اليومية، ولكن استتبع كل مثال تجد في الحكم نتيجة قصر في النظر وخطأ في التقدير.
هذا الذي استغفل قوانين الصحة فأفرط في الأكل أو في السكر أو نحو ذلك ينفذ فيه القانون الطبيعي أمره ولكن في هوادة على النحو الذي وصفت، حتى ينتهي أمره بالتنفيذ التام، فإذا هو صريع المخالفة، وهذا الخائن أو الكاذب قد ينجح، ولكن نجاحه إلى حين، وحتى لو نجح طويلا فقد عاقبته الطبيعة بأن استلبت منه احترامه لنفسه وضميره وحبه للحقيقة، ومنحته شعوره بالضعة وبالدناءة، فكانت النتيجة أن ذبحه نجاحه، إن الطبيعة لا تهتم كثيرا أن يغتني الخائن أو الكاذب أو يفتقر، ولكنها تهتم كثيرا أن تنزل العقوبة بنفسه وأن تسلبها أحسن صفاتها، ولا تقصر في ذلك أبدا. •••
أهم ما تفضل به أمة أمة إيمانها بالقوانين الطبيعية، وإيمانها بأنها لا تتخلف، وجدها في أن تعرفها وتكتشفها وأن تبني حياتها على وفقها، فالفرق بين أمة راقية وأمة منحطة أن الأولى تسير في كل شأن من شئونها على الكثير مما عرفته من قوانين الطبيعة، فهي تربي أطفالها حسب قوانين الطبيعة، وتزرع أرضها حسب قوانين الزراعة، تنظم ماليتها حسبما وصل إليه علم المال، وتقيم حكومتها حسب قوانين العدالة، وهكذا هي في حياتها، مقدمات ونتائح، وقياس أحد أركانه دائما قوانين الطبيعة، وأما الثانية فتسير حيثما اتفق، تزرع حسب التقاليد، والتقاليد ليست قانونا طبيعيا، وإنما القانون الطبيعي علم الزراعة، وتربي أطفالها كما اتفق، وتنفق ميزانيتها حسب الشهوة، وتمشي يمنة أو يسرة اعتباطا، فتكون النتيجة دائما فشلا؛ لأن السير الغامض غير المؤسس على علم عرضة دائما لمعارضة القوانين الطبيعية.
الأمة المنحطة تتسع عندها جدا دائرة الأوهام، وتضيق فيها جدا دائرة الإيمان بالعلم والقوانين الطبيعية، فالزرع ينمو أو يهلك لغير سبب، والطفل يصح أو يمرض للجن، والتاجر ينجح أو يفشل للحظ، والزوجان يسعدان أو يشقيان للقسمة، والسماء تمطر أو لا تمطر للغضب، والعمل يعمل أو لا يعمل بالاستخارة، والإنسان يرزق أو لا يرزق بمجرد التوكل، ونتيجة هذا من غير شك أن الأمة التي تسير على هذا المنهج تنهار أمام الأمة تسير حسب قوانين الطبيعة، وأن الأمتين إذا تزاحمتا كان الفوز لمن يسير على قوانين الطبيعة.
إن مزرعة تزرع بالعلم خير لا محالة من مزرعة تزرع بالتقاليد، وإلا كان علم الزراعة غير صحيح، وإن تاجرا يسير على قوانين الاقتصاد ينجح لا محالة أكثر من تاجر يسير بالبركة، وإلا كان علم الاقتصاد خطأ، وهذا هو وحده السر في نجاح الأجنبي حيث يفشل المواطن، إنه يسير في تجارته ومعيشته وجده ولهوه حسب قوانين الطبيعة فينجح، ويسير المواطن حيثما اتفق فيفشل، لو تكشف قوانين الطبيعة لإنسان لقرأ المستقبل قراءة لا تخطئ؛ لأن خالق العالم خلقه على قاعدة السبب والمسبب والمقدمات والنتائح، فلو أدركنا كل المقدمات والأسباب لجزمنا جزما قاطعا بالنتائح والمسببات.