تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجهوا كل همكم إلى الصغار، إلى الجيل القادم، إلى قادة المستقبل، واجتهدوا أن تحموهم من تقليد جيلكم، فضعوا أمامهم أمثلة نبيلة غير أمثلتكم، واخفوا عن أعينهم شروركم، فإنكم إن تعبتم في إنشاء جيل واحد على هذا النمط ضمنتم الخير لأجيال متعاقبة.

أما أنتم فيغفر الله لكم. •••

قال الراوي: فهاج السامعون وماجوا، وسخط عليه قوم لسماجته وقلة حيائه، ووقاحته وسبابه، وازدراه آخرون لسخفه وسوء منطقه، إذ لم يحل مشكلا، ولم يصلح فاسدا، واحتقر الكبير، واستعظم الصغير، وهزأ بالرجال، وعني بالأطفال، ولأن مآل نصحه ترك الفساد ينخر في عظامهم حتى يأتي على آخرهم، فأتمر به هؤلاء وهؤلاء، وأجمعوا رأيهم على أن يودعوه مستشفى المجاذيب ...

| القانون الطبيعي

كل ما عرفنا من قوانين الطبيعة والكيمياء وقوانين الفلك، وما اكتشفنا من قوانين العلوم على اختلاف أنواعها قوانين طبيعية، أو هي سنة الله في خلقه لا تقبل تبديلا ولا تحويلا.

لقد تمت الطبيعة وتمت قوانينها، فكل ما في الطبيعة خاضع لقوانينها لا يستطيع الخروج عنها مهما حاول.

وليست قوانين الطبيعة كقوانيننا الوضعية تعذر بالجهل ولا تعاقب إلا بعد إعلانها، بل هي توقع عقوبتها علم الناس أو جلهوا، قصدوا أو لم يقصدوا، فمن تعاطى سما على أنه سكر عوقب بالموت، ولو جهل، ولو حسنت نيته.

والطبيعة قاسية كل القسوة في تطبيق قوانينها، لا ترحم من خالفها، ولا تغفر - مرة - ذنب من يتجرأ على نظامها، سواء عندها الصغير والكبير، والطفل الرضيع، والشيخ الهرم، لا ترحم طفلا؛ لأنه وحيد أمه، ولا كبيرا؛ لأنه عائل أسرته، من تعرض للنار احترق مهما كان شأنه، ومن سقط من أعلى خضع لقانون الجاذبية من غير نظر إلى أي ظرف من ظروف السقوط.

وهي في قسوتها ديمقراطية كل الديمقراطية، سواء عندها الغني والفقير، والملك والسوقة، وصاحب الحول والطول، ومن لا حول له ولا طول، كلهم يخضع لقوانينها كما يخضع الجماد، وتجري عليه أحكامها كما تجري على الريشة في الهواء.

وقوانينها أشكال وألوان: منها ما ينفذ سريعا كسرعة البرق، حاسما كحد السيف، ومنها ما ينفذ بطيئا بطء السلحفاة، هذا يكسر قوانين الطبيعة بسقوطه من نافذة، أو احتراقه بنار، أو اصطدامه بقطار، فينفذ عليه القضاء العاجل، وهذا يكسر قوانين الطبيعة بالإتخام أو بكثرة التدخين أو بإدمان السكر أو بتعاطي المخدرات، فتنفذ فيه الطبيعة قوانينها بهدوء حتى لا يشعر بها، وتهدمه في بطء كأنها لا تهدمه، هي تغضب حينا فتضرب الضربة القاضية في سرعة وعجلة، وتهدأ حينا فتطحن طحنا بطيئا ولكن ناعما، وهي في الحالين بالمرصاد لا تنسى ولا ترحم، ولا تصدر حكما مع وقف التنفيذ، إنما تجعل بعض أحكامها مشمولا بالنفاذ العاجل، وبعض أحكامها مشمولا بصيغة التنفيذ الهادئ، ولكنه تنفيذ على كل حال، وتنفيذ من غير إخلال.

وهذه القوانين الطبيعية تختلف وضوحا وخفاء، وبساطة وتعقدا، فقد تبلغ من الوضوح والبساطة ما يدركه كل الناس كقوانين الطبيعة والكيمياء وظواهر الطبيعة، وقد تغمض وتتعقد حتى لا يدركها إلا الخاصة، وحتى لا يدركها الخاصة، وتاريخ الإنسان ليس إلا سلسلة لمحاولة فهم القوانين الطبيعية، وتضييق دائرة المجهول منها وتوسيع دائرة المعلوم، ولا يزال المدى أمامه فسيحا لمعرفة ما جهل وتوضيح ما غمض، وسواء من قوانينها ما عرفنا وما لم نعرف، فهي تجري علينا حكمها وتنفذ فينا إرادتها.

وكلما كان المخلوق ساذجا منحطا كانت قوانينه الطبيعية سهلة يسيرة واضحة، وكلما رقي تعقدت قوانينه وكثرت واشتبكت، ومن سوء حظ الإنسان، أو حسن حظه، كما تشاء، أنه أرقى المخلوقات الأرضية، فقوانينه الطبيعية أعقد القوانين وأغمضها، وأكثرها تركبا واشتباكا.

هذا جسمه يخضع لقوانين طبيعية كالتي يخضع لها الجماد والنبات والحيوان، وهذه نفسه تخضع لقوانين أشد غموضا وتعقدا لم يبلغ اكتشافها مبلغ اكتشاف قوانين الجماد، وهذه علاقته بالبيئة الجغرافية جعلته خاضعا لقوانينها، فشكلت شكلا خاصا جسمه وعقله، وحددت نشاطه، وحكمت حكمها في طبيعة عمله ومنهجه في العمل، ورسمت خطاه في مدنيته، وهذه أخلاقه خاضعة في تكوينها لقوانين الوراثة وقوانين الكسب، فما كان وراثيا منها فله قوانينه، وكان من أثر هذه القوانين للوراثة والاكتساب اختلاف الأفراد فيما بينهم قوة وضعفا، وذكاء وغباء، وصلاحا وفسادا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٣٣