تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأهم عمل المصلحين - في كل أمة - على اختلاف أنواعهم ليس إلا اكتشاف قوانين الطبيعة وحمل الناس على السير على وفقها، فالعالم ليس إلا مكتشفا لهذه القوانين مسجلا لها راصدا لنتائجها، والمصلح الاجتماعي ليس إلا رجلا عرف بعض هذه القوانين، ورأى أمته تسير على عكسها فدعاها للسير على وفقها، وماذا يفعل المصلح الديني؟ إنه يرى أن قومه غلبت عليهم الأوهام، وأضلتهم عقائد فاسدة أعمت أبصارهم وأصمت آذانهم، فأخذ يفتحها لتدرك الكون وقوانينه، خير ما يعمله رجال الدين لأمتهم أن يؤسسوا حياة الناس على قوانين الطبيعة، ويدعوا الناس للسير على قوانينها المعقولة، وفي الحق أن قوانين الطبيعة هي في لغة الدين سنن الله، وإرادة الطبيعة هي إرادة الله، وأن السير على وفقها تقديس لأوامر الله.

ولقد بلغ من تقديس الدين لها أن عد خرقها معجزة الأنبياء، أما وقد ختم الأنبياء، فقد ختمت المعجزات، واطردت قوانين الطبيعة فلا تتخلف، وقد قال تعالى:

وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته

ومن كلماته تعالى قوانينه التي بثها في كونه، ويعجبني ما روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده الغيلان وأنها تتحول من خلق إلى خلق فقال عمر: «ليس أحد يتحول عن خلقه الذي خلق له».

وعمل السحر ونحوه ليس قلبا للقوانين الطبيعية وكسرا لها، وإنما هو تخييل كما عبر الله عن ذلك أصدق تعبير، إذ قال:

فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى .

ومما يؤسف له أن مرت على الناس عصور مظلمة دعا فيها بعض عامة المتدينين إلى زلزلة العقائد في هذه القوانين الطبيعية، فالماء يسار عليه، والأرض تطوى للمشي عليها من أقصاها إلى أقصاها في لحظة، والفاكهة تحضر بتحريك يد في الهواء، ونحو ذلك - مع أن خاصة الصوفية كانوا يتبرءون من ذلك وينهون عنه، فكان «سهل التستري» يقول: «أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاقك» وجاء رجل فقال له: إن الناس يقولون: إنك تمشي على الماء! فقال: سل مؤذن المحلة فإنه رجل صالح لا يكذب. قال: فسألته، فقال المؤذن: «لا أدري هذا، ولكني أعلم أنه نزل الحوض في بعض الأيام فوقع فيه فلو لم أخرجه لبقي فيه أبدا».

فلما اعتقد العامة في تخلف القوانين الطبيعية بنوا حياتهم اليومية حيثما اتفق، فليزرع الزارع كما شاء، فقد تنقلب القوانين الطبيعية فينجح المهمل ويفشل المدقق، وليسرف التاجر كما يهوى وليسر سبهللا، فقد يرزق الأخرق ويحرم الحذر، ومثل ذلك الصانع في صناعته والعامل في عمله، والموظف في وظيفته، والأم في تربية الولد، والأب في الإنفاق على الأسرة، ليست هناك غاية محددة يسعى إليها بخطوات محددة، إذ ليس هناك إيمان بقانون السببية ولا بالقوانين الطبيعية.

وهكذا أصبح هذا الشأن مرضا من أمراض المجتمع الخطيرة، لا بد أن يتكاتف رجال الدين والمصلحون الاجتماعيون على القضاء عليه، حتى يؤمن الناس أن لا تبديل لكلمات الله، ولا تبديل لقانون الطبيعة، ولا نجاح لأمة أو فرد إلا بإطاعة هذه القوانين وتعديل الحياة على وفقها.

يجب أن يفهم الناس أن الموت والحياة قانون طبيعي، وأن الغنى والفقر قانون طبيعي، وأن الصحة والمرض قانون طبيعي، وأن صلاح الناشئين وفسادهم بالوراثة والتربية قانون طبيعي، وأن الهزيمة والنصر قانون طبيعي، وأن موقف الأمم في سلم العالم قانون طبيعي، وأن من أراد من الأمم أن يرقى لا بد أن يعمل مقدمات الرقي الطبيعية ليصل إلى النتيجة الطبيعية، وأن الله ربط الأسباب بالمسببات ربطا محكما، وجعل بين المقدمات والنتائج عروة وثقى لا انفصام لها، وأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وأن من زرع الحنظل جنى الحنظل.

| الإسلام والإصلاح الاجتماعي

بعض الأديان اقتصرت على تنظيم العلاقات بين العبد وربه، فشرعت شعائر العبادة واكتفت بذلك، ولم تمس شئون الدنيا في قليل ولا كثير، بل منها ما دعا إلى الابتعاد عنها والتجرد منها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٣٥