تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فجاء رجال الدين يقولون: إن سبب الفساد كله عدم التمسك بالدين، فلو نصحت بأن يتبع الناس الدين لذهب كل ما سمعت من شكوى، ولاستقامت الأمور، وصلحت الأحوال، ففساد الحال لا سبب له إلا غضب الله على الناس من عصيان أوامره، وارتكاب نواهيه.

وقال رجال المال: إن العلة كلها في المال، فلو أصلحت موارد البلاد، واستثمرت منابع الثروة خير استثمار، ووزعت الغلة خير توزيع لكان في هذا العلاج من كل داء، لو تم هذا لانعدم الفقر، وانعدمت الجرائم، وقل الطمع، وارتقت الأخلاق، فأكثر فساد الأخلاق منشؤه الفقر، فالفقر داع إلى الإجرام، وداع إلى الجهل، وداع إلى الذل والعبودية، فإذا زال زالت معه شروره، وليس من فرق بين أسرة مهذبة راقية سعيدة، وأسرة بائسة شقية إلا المال، فالمال يعلم، والمال يهذب الذوق، والمال يبصر بطرق المعيشة، والمال يسعد.

وقال رجال السياسة: ادع إلى إصلاح سياسة البلد يصلح فيه كل شيء، فصلاح السياسة معناه صلاح الحكم، فإذا عدلت الحكومة في رعيتها، وساست الناس كما يقود القائد المحنك جنده، لا كما يصيد الصائد صيده، ونشرت العدل بين الناس، فهناك الطمأنينة، والرخاء والأمن، والسعادة والتقدم، وإلا فلا إصلاح.

وهكذا ظل طول الأسبوع يسمع من القادة آراءهم في الإصلاح، ولم يفته أن يسمع من رجال الأحزاب، ولا من رجال الصحف، ولا من الديمقراطيين والدكتاتوريين، ولا من الفلاسفة والشعراء، والنساء والفنانين، فقد قضى الأسبوع في معرض متنوع بديع.

وحان وقت إبدائه الرأي، وحضرت الوفود ممثلة لكل الطوائف، واشرأبت الأعناق، وأرهفت الأسماع، فقام بينهم خطيبا وقال:

سيداتي! سادتي!

لقد سمعت كل وجوه الإصلاح التي اقترحها قادتكم، ورأيت أن في كل منها خيرا كثيرا، ولكن فيها عيبا كبيرا.

إن كل ضروب الإصلاح التي سمعتها موجهة إلى الجيل الحاضر، وليس فيه كبير أمل، إنه جيل فسد، قد أفسدته السياسة بألاعيبها، وأفسده الجو الذي عاش فيه، والخلاف الذي دب فيه، والعقلية التي حلت فيه، والمثل التي قدمت له، كل خطأ الآراء التي سمعتها أنها علقت الأمل على شيء مهدم، وعلى قصبة مرضوضة، وعلى بناء متداع.

لقد فقد كل منكم الثقة بأخيه، ولا حياة إلا بالثقة، ولا عودة للثقة إذا زالت، لقد شممت من اقتراح كل منكم أنانية بغيضة، وتعصبا للرأي ذميما، واحتقار لرأي الغير معيبا، فتفرقت بكم السبل، وزال بينكم الحب، وساد فيكم ضيق النظر، وهذا عنوان الانحلال.

سيداتي وسادتي:

نصيحتي لكم ألا ألتفت إليكم، وألا تلتفتوا إلى أنفسكم ، ولا أعلق الرجاء عليكم، ولا تعلقوا الرجاء على أشخاصكم، وأن تساعدوني على إهمالكم أنفسكم، وأن تلتفتوا معي إلى صغاركم، ولا شأن لي بكم إلا شأن الوزير الذي عين فدخل مكتبه فوجد الدفاتر مكدسة، والملفات مبعثرة، والأوراق مغبرة، وحاول أن يدرس مسألة فلم يفهم، وأن يتبع تاريخ أثر فلم يستطع، فأمر بإحراقها جميعا، وأنشأ دفاتر جديدة على نمط جديد.

ثم ماذا تعملون لصغاركم؟

أنشئوا لهم المدارس التي تتسع لهم جميعا، واحملوا الحكومة أن تخصص أكبر ما تستطيع من ميزانية لهذه المدارس، اجعلوا لغنى الغني حدا إذا تجاوزه ذهب إلى هذه المدارس.

ثم لا أمل في هذه المدارس أيضا إذا علمتم تلاميذها ليكونوا مثلكم في عقلكم وأخلاقكم.

فعلموهم أول ما تعلمونهم فن الحياة الذي فشلتم فيه واستطعموا مرارة الفشل، ليحلو لكم أن تعلموهم وسائل النجاح، وحددوا غرض الأمة الذي تنشده ووجهوا التعليم والتهذيب نحوه، وارسموا في وضوح حاجات الأمة ومرافقها المختلفة، وشكلوا التعليم كمية وكيفية حسب هذه المرافق، علموا أطفالكم جميعا الأمانة والرجولة، ونظافة اليد، ونظافة الخلق، وقيمة الحق، والشجاعة في قول الحق، والحياة للحق.

ولا تقولوا: إن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن هذا قول سخيف من آثار القرون البالية، فإنا نرى كل يوم المصائب تعلم اتقاءها، والرذيلة تعلم الفضيلة، وسخافة السخيف توحي حكمة الحكيم، علموهم ضد ما تعلمتم في السياسة، علموهم من صغرهم أن يحكموا أنفسهم ليصلحوا إذا أسند الحكم إليهم، وعلموهم الحرية التي لم تعرفوا أنتم أن تنتفعوا بها ليعرفوا هم كيف ينتفعون بها، وعلموهم الإيثار والتضحية في ضوء ما ألمتم من الأثرة والأنانية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٣٢