تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صدق الله العظيم

الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان .

| قصة

زعموا أن رجلا عرف بصحة الرأي وصدق النظر، فكان مقصد أمته في الأزمات ورجاءها في حل المشكلات، يقول الرأي فكأنما ينطق بلسان الغيب، ويظن الظن فكأنما يرى ويسمع، يتنبأ فكأنما يتلوا المستقبل من كتاب.

كان أعجوبة الأعاجيب في أمته، وأحدوثة قومه في زمنه، وما لبث أن طارت شهرته فعمت العالم، وطبقت الآفاق، وشاء القدر أن يرحل عن بلده إلى بلد سحيق، فسبقته شهرته، وعرف بمقدمه أهله، فاحتفوا به وأنزلوه منزلا كريما، وأزمع أكابر رجاله أن يستفتوه في مشاكلهم، ويستنصحوه فيما صعب من أمورهم.

فأوفدت وزارة الشئون الاجتماعية وفدا من رجالها يسأله: ماذا تعمل لتقضي على الفقر، وتمحو الإجرام، وتضع حدا لكل الشرور، وتنهض بالفلاح فيرقى عقله، وترقى معيشته؟ وكيف تتغلب على مشكلة البطالة، وكيف تحل مشكلة الزواج والطلاق، وتبرج النساء، واستهتار الرجال، إلى غير ذلك من مشكلات تدخل في اختصاصها.

وأوفدت الوزارات كلها تسأله عن حل لمشكلاتها، فوفد وزارة المال يشكون من قلة الدخل وكثرة المطلوب، وإسراف المصالح الحكومية، وأن كل وزارة تطلب، كأن مال الدولة قد أرصد لها وحدها، ويشكون من الموظفين وكثرتهم ومطالبهم وإلحاحهم، ومن الجمهور ونظره إلى مال الدولة كأنه غنيمة يحل نهبها، والوزارات كلها تشكو من وزارة المالية، إذ تسيطر عليها، وتقدر كل المسائل بالأوراق المالية، ولا تقدر المسائل الأدبية ولا المنافع العلمية ولا الاعتبارات المعنوية، وأنها تعامل المصالح على أساس تجاري لا على أساس مصلحي، والكل يشكو من سوء ظن بعضه ببعض، ومن عدم التعاون، ووزارة العدل تشكو من ضياع العدل في الأمة، فالمحسوبية، والوساطة، والرجاء، كل هذا وأمثاله أضاع معنى العدل، وأن هناك وسائل تعمل في الخفاء فتخنق العدالة، فلا يزال هناك نظام الطبقات يفسد العدل، فالفقير لا يصل إلى حقه من الغني؛ وإذا اتهم غني بالرشوة فليس كما يتهم الفقير، وإذا ضرب أحد «الذوات» جنديا أو نحوه حفظت القضية؛ أما إذا ضربه أحد السوقة، فالعدل يجري مجراه، وشكت وزارة العدل - أكثر من ذلك - من حال العدل الاجتماعي، فليس مال الدولة يوزع بالعدل، ولا مناصب الدولة توزع بالعدل، ولا معاملة الحكومة للناس توزع بالعدل.

وهكذا لم تبق وزارة من وزارات الدولة إلا رفعت صوتها بالشكوى، وأسرفت في وصف سوء الحال، وطلبت رأيه في العلاج.

وليت الأمر اقتصر على الوزارات، فكل طائفة شكت: فلاحون يشكون الفقر والبؤس، ويشكون الحكومة وملاك الأراضي، ويسألون السبيل إلى الإنصاف، وموظفون يشكون الكادر الجديد، وتجار يشكون مزاحمة الأجنبي، وكل حزب يتهم الأحزاب الأخرى بالتقصير، والكل يتهمون الحكومة، والحكومة تشكو الأحزاب وتشكو الأمة، لأنها تلقي كل أعبائها عليها.

وجاء رجل فقال: لست أمثل وزارة ولا أمثل حزبا، ولا أمثل نقابة ولا أي جماعة، ولكني أشكو من شكوى الناس، فكلما جلست إلى قوم في أي مجلس، في فرح أو حزن، في طبقة المتعلمين أو الجاهلين، ملأوا مجلسهم بالشكوى من فساد الأخلاق وسوء الأحوال، ثم لم يزد الأمر بعد على أن ينفض المجلس، والمتكلم معجب بفصاحته وبلاغته في حسن الوصف، والسامعون مسرورون بقضاء الوقت في حديث لطيف، وكلهم يختم الجلسة بغسل يده من الموضوع والاكتفاء بالدعاء إلى الله أن يصلح الحال.

وهكذا تتابعت الوفود على هذا الرجل تعج بالشكوى حتى خيل إليه أن ليس في هذه الأمة إلا شاكون، وأن ليس لهم وظيفة إلا الشكوى.

ومع هذا طيب خاطرهم، ووعد أن يجد حلا لهذه المشكلات كلها في أسبوع، وحدد لهم موعدا في مثل هذا الوقت من الأسبوع الآتي، ثم أتبع ذلك بقوله: ولكن لا بأس أن يزورني مصلحوكم فيدلوا إلي بآرائهم حتى أستعين بها على إبداء رأيي، فتتابعت عليه طوائف المصلحين والزعماء كل ينظر إلى المسألة بعينه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٣١