تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا نحن وصلنا إلى المجتمع فمجال القول في التوازن ذو سعة، ففي المجتمع قوى كثيرة تتعاون وتتعاند، ولا يرقى مجتمع ولا يسعد إلا بتوازنها، وإذا حل الشقاء بمجتمع فذلك لاختلال توازنه، وإذا قامت فيه الثورات فلاختلال توازنه، وإذا انحط أو فني فلاختلال توازنه أيضا.

فأول كل شيء لا بد أن يوازن المجتمع بينه وبين بيئته الطبيعية، فمنذ خلق الإنسان وهو في حرب مع الطبيعة، كان يحارب الحيوانات المستوحشة، وكان يحارب شدة الحر وشدة البرد، وكان يحارب طغيان الماء وصلابة الأرض، وكان ضعيفا فقهرته الطبيعة، ثم رقي فاستخدم عقله لمحاربة الطبيعة، واستخدم قوانين الطبيعة لمحاربة بعضها بعضا، حتى توازنت قوته وقوة الطبيعة فسعد، لقد اختلف الفلاسفة في أن الطبيعة قاسية بخيلة فظيعة، أو أنها سخية كريمة تمد الإنسان بما يحتاجه، والحق أنها لا هذا ولا ذاك في حد ذاتها، إنما هي في كفة، وقوة الناس واستعدادهم في كفة، وسعادة الإنسان في توازن قواه وقوى عقله وقوى تسخيره مع قوى الطبيعة وأفاعيلها، وكل حياة الإنسان مهاجمة من الطبيعة ودفاع منه، فإذا توازنت قوة الدفاع والهجوم فالخير والسعادة للإنسان وإلا فالفناء.

كان الإنسان الأول مستعبدا للطبيعة يعيش على هامشها، ثم انغمس فيها وأدرك قوانينها فتحرر، كانت الحرارة والبرودة تؤذيه فاستخدمها، وقوة الماء تهلكه فضبطها، والكهرباء يجهلها فعرفها واستخدمها، ثم كان أن قسم الطبيعة على نفسها فضرب بعضها ببعض، وعادل بين قواها، وتسلح ببعضها ليحارب بعضها الآخر، فلما تم التوازن أو كاد كانت المدنية، ولا يزال المجال أمامه فسيحا.

وأخلاق كل أمة وفلسفتها وأساطيرها وعقليتها وأدبها تتعادل مع بيئتها الطبيعية، فكما أن أبا الهول والأهرام لا يمكن أن تكون إلا في مصر، وما كان يمكن أن تعيش هذه العصور في فرنسا أو إنجلترا أو سويسرا، وإنما تعيش في طبيعة مصر، فكذلك أخلاق كل أمة وعاداتها تتعادل مع طبيعتها.

وكذلك الشأن في قوى المجتمع الإنساني نفسه، لا بد فيها من التوازن وإلا ضعف وانحل، انظر مثلا إلى القوة الاقتصادية في الأمة، فإذا كان فيها جماعة المنتجين فلا بد أن يوازنهم جماعة المستهلكين، وإذا كان عرض فلا بد أن يوازنه طلب، وإلا ساءت الحالة الاقتصادية باختلال التوازن، وكثيرا ما كانت الثورات في الأمم من سوء الحالة الاقتصادية، كالإفراط في الغنى بجانب الإفراط في الفقر، أو كثرة المعروض ولا طلب، أو كثرة المطلوب ولا عرض، وهكذا.

ثم يجب التوازن بين الحياة الاقتصادية في الأمة وطرق التربية، فالتعليم في كل أمة يجب أن يشكل حسب حالة الأمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويتوازن معها، وإلا فالخراب، فإن أنت علمت للوظائف الحكومية التي لا تتسع لجميع المتعلمين، واجهت مشكلة المتعلمين العاطلين، وكلما زدت في ذلك زاد الخطر، وإذا علمت لغير وظائف الحكومة وجب أن تفتح في أبواب الحياة الاقتصادية بقدر ما تعلم، وإلا واجهت نفس المشكلة.

وهكذا، في كل مجتمع قوى متعددة مشتبكة، كالآلة الضخمة ذات القطع المتنوعة المعقدة، لا يمكن أن تسير إلا بتوازن الأجزاء، هذه قوة الأسرة وقوة الدين وقوة الحكومة بما لها من سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية، وقوة اللغة والعلم والأدب وغير ذلك من القوى، لا بد أن تكون كلها في حالة توازن.

ولما اتسعت القوى وتعددت في المجتمع كان لا بد لها من ضابط أو ضوابط تعادل بين القوى إذا طغت إحداها على الأخرى، فقام بهذه المهمة الرأي العام أحيانا، يثور ويطالب بالإصلاح وينادي بالتعادل، والقانون أحيانا باستناده إلى العدل ورد الحق إلى ذي الحق، وتفصيل الحقوق والواجبات حتى يتم التعادل.

وعلى الجملة فالتوازن هو حجر الفلاسفة، وهو كيمياء السعادة، يدخل الجسم فيصح، ويفارقه فيختل ويمرض وينفى، ويحل في الشيء فيكون جميلا، وفي الكلام فيكون بليغا، وبقدر ما يكون منه في الأمة يكون رقيها وصحتها، وعلى قدر خلوها منه يكون فشلها وانحطاطها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٣٠