تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك الشأن في مالية الأمة، إنما تسعد بالتوازن بين دخلها وخرجها، وإيرادها ومصروفها، وليس هذا فقط، بل بالتوازن بين وجوه الدخل، وأيها يجب أن يكون، أيها يجب ألا يكون، والتوازن بين وجوه الصرف، ما الذي ينبغي وما الذي لا ينبغي.

وكلما ترقيت في شئون الحياة، وأمعنت في المعنويات، وجدت مبدأ «التوازن» صحيحا وإن كان إدراكه عسيرا.

هذه النفس الإنسانية مثلها مثل الجسم الإنساني، كلاهما ينتظم بالتوازن، ولكن مناحي النفس أكثر تعددا وأشد تعقدا، وإدراك التوازن فيها أدق وأغمض - فالجسم محدود، والنفس لا حدود لها، وأعضاء الجسم معدودة، ومناحي النفس لا عد لها، فحفظ التوازن فيها لا يتم إلا في القليل النادر وبتوفيق من الله عجيب.

هذه الغرائز الموروثة تختلف وتتباين، وهذه العواطف المنبعثة منها تتكاثر وتتنوع، وهذا هو العقل الذى لونته العلوم والمعارف والمدنية ألوانا لا تحصى - كل هذه في نفس الإنسان الواحد، حتى كأنها جبل تنوعت كهوفه ومغاراته، أو بحر كثرت موجاته وتعددت مخلوقاته، فكأن بين جنبي الإنسان آلاف النفوس لا نفسا واحدة، ومن أجل هذا كان لكل إنسان آلاف المظاهر لا مظهر واحد، فهو في ساعة صاف كأنه المرآة المصقولة، وهو في أخرى مغبر كاليوم العاصف، شجاع جبان، كريم يخيل، عادل ظالم، وهو بين ذلك في أوضاع لا عداد لها، وفي ألوان لا يضبطها ضابط، وليست هذه المظاهر المختلفة إلا نتائج لآلاف العوامل عملت في الخفاء، وكان لها تاريخ طويل أطول من عمر الإنسان.

وليست تصح النفس إلا إذا توازنت كل هذه القوى، وقلما تتوازن، فليست تخلو نفس إنسان من مرض بل أمراض، ومن غريب الإنسان أنه عني أشد العناية بأمراض جسمه، وحاول أن يرد له توازنه إذا اختل، ولم يعن مثل هذه العناية بأمراض نفسه واختلال توازنها، ولعله استصعب الداء فيئس من العلاج.

ما المجرم؟

في المجرم كل الغرائز والعواطف والإدراكات التي في سائر الناس، ولكن قد اختل توازنها، فغلبه الطمع وضعف عنده ضبط النفس فكان سارقا، أو غلبه حب الانتقام وضعف عنده تقدير إزهاق النفس فكان قاتلا، أو غلبته الشهوة وضعفت عنده الإرادة فكان سكيرا أو عربيدا، وليس يفقد المجرم صفات يتحلى بها الفاضل إلا عدم الاتزان.

ولقد أدرك أرسطو هذا التوازن في الأخلاق فقال بنظرية الأوساط، بمعنى أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، أي في نقطة التعادل، فالشجاعة بين الجبن والتهور، والعفة بين الزهد والتهتك، والكرم بين البخل والإسراف، والأثر المشهور «أحب لأخيك ما تحب لنفسك» إنما يطالب بالتعادل بين حب النفس وحب الغير، والتوازن بين الأثرة والإيثار، وقديما قالوا:

حب التناهي غلط

خير الأمور الوسط

والتوازن ذو حظ عظيم في باب الجمال، وقد سموه «السيسترية»، فإن نظرت إلى جسم الإنسان - مثلا - رأيت التوازن ملحوظا فيه على أتم وجه، فالأعضاء الثنائية متناسقة على أبعاد متساوية، فالعينان والأذنان متوازنان وبينهما العضو المفرد كالأنف والفم والذقن، وإنما يتم جمالها إذا كانت الأبعاد بينها متساوية، فإذا انحرف الأنف، أو انحرفت الشفتان، أو ضاقت عين واتسعت عين اختل التوازن فكان القبح، وهذا هو بعينه ما لوحظ في هندسة المباني، فالباب يقابله باب، والشباك شباك، والباب القصير يقابله باب قصير، والشباك الكبير يقابله شباك كبير، وهو بعينه أيضا ما لوحظ فيه هندسة الحدائق، فشجرة في زاوية يقابلها شجرة مثلها في زاوية أخرى، وحوض مستطيل يقابله في الناحية المقابلة حوض مثله، وهكذا، حتى كأن الجمال هو التوازن.

وشاع التوازن في البلاغة، إذ كانت فنا من الفنون الجميلة، وسموه بأسماء مختلفة، فالسجع توازن، والطباق توازن، والمساواة في «باب المعاني» توازن، وأساس البلاغة كلها حسب قولهم «مطابقة المقال لمقتضى الحال»، وهذا ليس إلا توازنا بين معاني القول وصياغته وبين حال السامع أو القارئ، وهكذا الشأن في كل فن من الفنون الجميلة، لأن الجمال، كما أسلفنا، يعتمد - إلى حد كبير - على التوازن.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٩