تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خطر للسلطان أن يجمع مؤتمرا يشهده كل القضاة وكل مشهوري العلماء، ثم يسمع منهم ويسمعون منه، لعلهم يصلون إلى حل، وأرسلت الدعوة وحدد لذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من شوال بالقلعة، وانعقد المجلس: هذا هو السلطان يتصدر المجلس، وهؤلاء القضاة الأربعة عن يمينه، وهؤلاء كبار العلماء عن يساره، يرأسهم شيخ الإسلام زكريا، وكان مجلسا رهيبا حقا، خطيرا حقا.

أغضى السلطان النظر عن القضاة والتفت إلى شيخ الإسلام زكريا وقال: كيف يحدث ما حدث، ويضبط الرجل مع زوجة آخر ويقر، ثم تقولون: له الرجوع؟!

رد أحد الحاضرين: هذا هو الشرع، وأخرج كتابا من كمه وأراه النص.

فقال السلطان: إني لا ألتفت إلى النقول في ذلك، ألست ولي الأمر؟ أوليس لي الحق في الحكم؟ أوليس لي أن أصدر أمري كما يتبين لي؟

أحد العلماء :

نعم، ولكن بشرط أن يكون على مقتضى الشرع، فإذا أنت قتلتهما مخالفا النص تلزمك ديتهما.

فغضب السلطان أشد الغضب من هذا الجواب، وكاد يبطش به، ثم التفت إلى الشيخ زكريا وقال: ما تقول أنت في هذه المسألة؟ - أقول: إن الرجوع بعد الاعتراف يسقط الحد.

السلطان :

هل هذا ما ترتضيه ذمتك؟

الشيخ زكريا :

هذا ما ارتضته ذمة الإمام الشافعي صاحب المذهب.

السلطان :

أنت شيخ قد كبرت وضعف عقلك، أما أنتم أيها القضاة فلا تروني وجوهكم بعد الآن.

وقام وانفض المجلس على أسوأ حال.

وبدأ السلطان ينتقم؛ فهذا الزنكلوني الذي صنع الفتوى ضرب هو وأولاده بالعصا حتى كادوا يتلفون، ثم أمر بنفيه إلى الواحات.

وهؤلاء القضاة عزلوا، وظلت مصر بلا قضاء خمسة أيام مما لم يسبق له نظير، ثم عين غيرهم، وهذان المتهمان - الرجل والمرأة - نصبت لهم المشنقة على باب «حارة أولاد الجيعان» ثم أحضرا، وجعل وجه كل إلى وجه الآخر، وشنقا بحبل واحد.

وظلا يعرضان يومين، والناس يأتون من كل فج لمشاهدتهما كما يشاهدون المعارض في هذه الأيام، وظل حديثهما على كل لسان، ثم نسج عليهما ثوب النسيان كما هو شأن الزمان.

| التوازن

يظهر أن الأرض التي نعيش عليها لما كانت مدينة في بقائها للتوازن - فهي سابحة في الفضاء بقوة التجاذب المتعادل - كان كل شيء فيها إنما ينتظم شأنه وتنسجم أموره بالتوازن أيضا، فإذا اختل توازنه ساءت حاله، وأدركه الفناء، ولعل مقياس رقي كل شيء توازنه، ومقياس انحطاطه عدم توازنه.

سواء في ذلك الأفراد والأمم، وسواء في ذلك الماديات والمعنويات.

هذا الجسم إنما صحته توازنه، ومرضه عدم توازنه، فليست الصحة إلا أن كل عضو متوازن مع الأعضاء الأخرى في إنتاجه واستهلاكه، ومقدار هذا الإنتاج وهذا الاستهلاك، فإذا ضعفت المعدة ولم تحسن الهضم اختل التوازن، فأصبحت لا تستهلك كما تستهلك الأعضاء الأخرى، ولا تفرز كما تفرز الأعضاء الأخرى، فكان المرض، كما لا يكون الجسم صحيحا إلا بتوازنه مع غذائه، فإذا قل الغذاء كانت المخمصة، وإذا كثر كانت التخمة، وكلاهما شر نشأ من عدم التوازن، ولا يزال الجسم بخير ما توازن، بين طعامه وقدرته على الاستهلاك، وبين طبيعته والبيئة التي حوله، وبين كل عضو فيه وسائر الأعضاء.

وهذه العين لا تبصر إلا بالتوازن من حيث المسافة بينها وبين المرئي، ومن حيث مقدار الضوء الذي يشع على الشيء، فإذا زادت المسافة أو قصرت، أو زاد الضوء أو قل، اختل التوازن فاختل الإبصار، وكذلك الشأن في كل حاسة.

والبناء على الأرض إنما يقوم بالتوازن، وينهدم بعدم التوازن بين المواد التي يتكون منها البناء، والتوازن بين أجزاء البناء بعضها وبعض من حيث الثقل ونحوه.

إن رقيت بعض الشيء ونظرت إلى الحياة المالية - مثلا - وجدت الشأن فيها هو الشأن في الأجسام، فانتظام مالية الفرد والأسرة إنما هو بالتوازن بين الدخل والخرج، والتعادل بين الكسب والإنفاق، وإلا فالخلل والاضطراب، فإن زاد الدخل كثيرا عن الإنفاق فثم الشح والتضييق على النفس والأهل والناس، وانقلاب الرجل إلى خازن ليس له من المال إلا ما للحارس، وإن زاد الإنفاق فهناك متاعب الدين، وهم الحاجة، وفوضى المعيشة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٨