تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال حاجب الحجاب: إذا فليدفعها زوجها.

وقال الزوج: وكيف أدفع وقد خسرت الزوجة، وخسرت الشرف، فهل كذلك أخسر المال؟

فلما توقف عن الدفع حجزوا عليه.

كان لهذا الزوج ابن يتصل بالمقرئين المقربين من السلطان الغوري، فتمكن بهم من الوصول إلى السلطان فوقف بين يديه، وقص عليه القصة من أولها إلى آخر الحجز على أبيه.

طلب السلطان محضر القضية، واستحضر النائب شمس الدين - الذي ثبت أمامه الإقرار - والقضاة الأربعة، وانتهز شمس الدين الفرصة وزاد النار اشتعالا، وحبب إلى السلطان أن يعيد إلى الشريعة الإسلامية سيرتها الأولى، فيعلي شأن الإسلام ويعمل بسيرة سيد المرسلين، فيرجم الزاني والزانية، وقال: إن في هذا مجد الإسلام، وتخليد ذكر السلطان.

قال له السلطان: فافعل ذلك. قال: لا أستطيع حتى يأمر بذلك قاضي الشافعية، فقال القاضي: قد أمرت. وانفض المجلس على هذا - أمر من القاضي الشافعي بالرجم وموافقة السلطان، ولم يبق إلا حفر الحفرة وإحضارهما ليرجما.

ولكن صادف ذلك موسم الحج والاحتفال بالمحمل وخروج الحجاج، فشغل السلطان ورجال الدولة بذلك، وأجل تنفيذ الرجم. •••

حدث في هذه الأيام أمر لم يكن في الحسبان، إذ ظهر في الميدان نائب شافعي اسمه «الزنكلوني» كان ماهرا ماكرا، وكان له ضلع مع المتهم، أوعز إليه أن ينكر جريمة الزنا فأنكر - ثم كتب فتوى ودار بها على كثير من العلماء وهي: «ما قولكم دام فضلكم في رجل أقر بالزنا ثم رجع عن إقراره، هل يسقط عنه الحد أم لا؟!» فأجابوا عنها بالحكم الفقهي، وهو أنه إذا رجع عن الإقرار يسقط الحد - ومن مهارته أنه مر بها على أكبر عدد ممكن من العلماء، فوقعوا عليها هذا التوقيع.

بلغ ذلك السلطان فجن جنونه واشتد غضبه، وقال: هذا غير معقول، هذا عجيب! رجل يدخل بيت رجل وينام مع زوجته ويقبض عليه تحت اللحاف معها ويعترف بالزنا ويكتب خطه بيده بما وقع منه، ثم يقولون بعد ذلك: له الرجوع! وإذا رجع فلا حد عليه؟! هذا ما لا يكون.

وكانت أزمة شديدة جدا بين السلطان والقضاة، كلاهما يرى أن وجهة نظره بديهية صحيحة لا تحتمل الجدل.

أما السلطان فيحتكم إلى الفطرة وإلى المنطق الساذج وإلى البديهة الطبيعية: رجل دلت كل الدلائل على جريمته، فهو في بيت غير بيته، نائم مع امرأة غير زوجته، يضبطهما الزوج، ويعترف المجرم بالجريمة أمام هيئة رسمية، فماذا يطلب من الدلائل بعد ذلك؟ وكيف يسمع ممن يدحض هذه الأدلة؟ إن هذا منتهى ما يصل إليه الإثبات، فإذا شككنا في مثله فما الذي يصح بعد أن يكون سندا للحكم، ووراء ذلك كانت تدور في نفسه فكرة أنه بتنفيذ الرجم في هذه القضية سيكون بطل الإسلام، ومحقق العدالة التي كانت في عهد الرسول، وهؤلاء العلماء يريدون أن يفوتوا عليه هذا الموقف والفخر.

وأما العلماء فكانوا يستندون إلى نصوص الفقه وأقوال الأئمة، قد رجعوا إلى كتب الفقه وأطالوا النظر فيها حتى بليت منها صفحات هذا الموضوع من كثرة البحث والتنقيب.

هؤلاء جمهور الأئمة - إلا ابن ليلى وعثمان البتي - يرون أن من رجع بعد الإقرار في الزنا قبل رجوعه ولم يحد، وحد الرجم حد شنيع جدا درأه الإسلام بأى شبهة، فهذا «ماعز» الذي أمر رسول الله برجمه، لم يأمر برجمه إلا بعد أن غمره بالأسئلة لعله يرجع، وحتى روى بعضهم أنه قرره على ذلك أربع مرات، وحتى رووا أنه لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه فقال لهم: ردوني إلى رسول الله، فقتلوه رجما وذكروا ذلك للنبي

صلى الله عليه وسلم

فقال لهم: «هلا تركتموه» ولأن الله يحب الستر على عباده، فلا يلجأ إلى الرجم إلا عند الضرورة القصوى بانعدام أي شبهة وبإصرار المجرم - فكيف يجرؤ القضاة بعد ذلك أن يخالفوا هذه النصوص؟

تعقدت المسألة وتمسك كل بوجهة نظره، فما الحل؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٧