تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما مكانها فالقاهرة، وأما زمانها فليلة السبت ثاني عشر شوال سنة 919 هجرية، والعهد عهد السلطان قانصوه الغوري، وأما بطلتها فامرأة جميلة لعوب متزوجة بنائب قاض اسمه غرس الدين، وقد عشقها نائب آخر اسمه نور الدين، وتوثقت الصلة بينهما، وتحدث بذلك الجيران وجيران الجيران، وبلغ مسامعهم كلهم ما كان يجري إلا الزوج الكريم.

فيوم السبت هذا دعي غرس الدين ليقضي ليلة عند صديق له في حي الإمام الليث، فانتهزت زوجته الفرصة وراسلت صديقها نور الدين ليبيت عندها هذه الليلة، فقد خلا الجو لهما، فأجاب الدعوة، وأرسل ما لذ وطاب، وذهب في أثره ممنيا نفسه بليلة سعيدة حتى الصباح، ولكن مصيبة المحبين دائما في العذال، فهذا عذول اسمه شمس الدين، كان أحد النواب أيضا وكان يسكن بجوار غرس الدين، وقد حنق على الزوجة أن هويها ولم تهوه، وهام بها ولم تلتفت إليه.

فعلم بما كان هذه الليلة، وعلم بحضور العشيق في البيت، فركب من فوره إلى الإمام الليث، وأخبر الزوج بما كان وعادا معا إلى القاهرة، وأوصله إلى بيته وانصرف.

وجد الزوج الباب مغلقا، والدنيا كلها ساكنة هادئة، وليس من شيء يدل على قول العذول، وكان للباب مفتاحان، مفتاح عند الزوجة ومفتاح عند الزوج، فلما وصل الزوج إلى الباب فتحه في هدوء وسكون، وتسلل إلى حجرة النوم، فوجد الكلة مرخاة، فتقدم ورفعها في رفق، فرأى الجريمة - ووقف الثلاثة موقفا دونه الموت رهبة، فرهبة الموت رهبة جلال، ورهبة هذا الموقف رهبة خزي وعار.

فأما العشيق فبكى واستعطف وهوى على رجل الزوج يقبلها، ويقول: اغفر لي ذنبي أكتب لك صكا الآن بألف دينار ولا تفضحني، وأما الزوجة فتلطم وجهها وصدرها، وتقول: أنا المذنبة، خذ جميع ما في البيت من أمتعة واستر علي فالستر مطلوب، والزوج يسب ويلعن ويثور ويهدر، ويأبى إلا أن يبلغ الأمر إلى الحكومة، ثم تقدم في حزم وأغلق عليهما باب الغرفة وباب البيت، وخرج إلى «حاجب الحجاب» وهو إذ ذاك يقوم مقام «الحاكمدار» وقص عليه القصة.

أما العشيقان فكانا كالفأر في المصيدة يدور ويدور ولا يجد مخرجا، فالباب محكم، حاولا فتحه فلم يستطيعا، والشباك مرتفع، إن سقطا منه دك عنقاهما، والانتحار لم يدر بخاطرهما، إذ لم يكن بدع ذلك العصر، فاستسلما للقضاء، وظل الرجل يحوقل ويلعن النفس الأمارة بالسوء، ثم انقلب يعنفها على ما جنت، فهي التي راسلته وهي التي دعته لقضاء هذه الليلة المشئومة، وهي تذكر الفضيحة والعار، وتضرب نفسها، وتبكي وتنتحب، وتود لو أن الأرض انشقت وبلعتها.

وفيما هما كذلك فتح الباب ودخل الحجاب، وقادوهما إلى حاجب الحجاب، فسألهما وداورهما، فاعترفا بكل ما كان، وأحضر حاجب الحجاب - طبقا للإجراءات المتبعة - أحد النواب، وكان هو العذول رسول الشر، ليحدث الإقرار أمامه، وكتب المحضر ووقع عليه الجميع، وحبسا إلى الصباح.

حتى إذا طلع النهار عري الجاني من ثيابه أمام حاجب الحجاب، وتوالى عليه الضرب حتى كاد يهلك، ثم حملت المرأة على أكتاف «المشاعلية»

1

وضربت كذلك، ثم أصدر حاجب الحجاب أمره بأن يشهرا في القاهرة.

ألبس نور الدين عمامته وأركب حمارا، وجعل وجهه لذيل الحمار، وأركبت المرأة حمارا آخر على هذا الوضع، وطافوا بهما في الصليبة والقاهرة وقنطرة السباع، والناس والأطفال يجرون وراءهما، يتصايحون بهما، ويتنادرون عليهما، وتحدث بهما كل السكان، وانتقل الخبر من القاهرة إلى كل مكان، فكان يوما قليل النظير، ثم رجعوا بهما إلى بيت حاجب الحجاب، حيث انتهى بهما هذا الطواف الشنيع.

لم يكتف بذلك حاجب الحجاب، فطلب من الزوجة مائة دينار نظير أتعاب، ولست أدري لم قررها على المرأة دون الرجل، فسر ذلك عنده!

امتنعت المرأة من الدفع وقالت: أعار وخراب ديار!؟ إن زوجي وضع يده على جميع مالي، فأصبحت لا أملك من الدنيا شيئا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٦