ومشينا ومشينا، ووصلنا إلى عين ماء بني عليها حوض يخرج الماء من جانب عذبا دافئا، ويخرج من جانب آخر فيسيل في الوادي، فتنبت منه الأعشاب والأشجار والنخيل، وتزين الصحراء بجمال الخضرة.
ونتسلق الجبال فنحس بما خلفته الحضارة في نفوسنا من أثقال وأوبئة، حتى نعيا من السير اليسير وتنقطع أنفاسنا من الصعود القليل، ونفقد مزايا العيشة البسيطة الطبيعية الملائمة للصحة، ولكننا نكد ونجد حتى نبلغ القمة، وقد بلغ منا الإعياء مبلغه، وإذا بمنظر رائع تنسينا لذاته ما نالنا من الضنى، ننظر يمنة فهذا واد فسيح، وصحراء جرداء نثرت فيها أشجار تكافح للحياة، وننظر يسرة فهذا بحر يعج بالموج وبالحياة، وأمامك جبال متسلسلة تبعث فيك الروعة والجلال، وتتناغم كل هذه المناظر فتؤلف موسيقى يعجز عن وصفها البيان.
ونعود إلى مأوانا فنسمر سمرا لذيذا فيه الفكاهة الحلوة، والقصص الممتع، والحديث يجري عذبا في غير كلفة ولا تصنع ولا منطق، ويملأ وقتنا شاعر يطربنا من إنشائه ومن إنشاده، وتضيق بنا الحجرة فنخرج إلى الجو الطلق والسماء الصافية، والبحر يلاعبه القمر.
ثم إذا خلوت إلى نفسي لا يبرح خيالي حال المعتقلين من المجرمين، أمن الحق أن يحشر المجرمون المتنوعون في مكان واحد، فيكون كل مجرم أستاذا في نوع إجرامه يلقنه تلاميذه، فإذا هم جميعا مجرمون في كل أنواع الإجرام؟ أمن الحق أن نضعهم في هذا المحجر الصحي الذي صرف في أبنيته نحو مليون من الجنيهات، فنعيده إلى مكان غير صحي بفضل ما تسببه معيشة هؤلاء المعتقلين من الأوبئة والأمراض؟ أمن الحق أن نقيد هؤلاء في حريتهم ثم نضيق عليهم في معيشتهم من حيث الأكل والدفء ووسائل الحياة، فيفشو فيهم المرض وتكثر الوفيات؟ قد يصح أن نذهب إلى هذا ونقول: إنهم مجرمون خطرون، فليتهم يموتون فتستريح الأمة منهم، ويستريحوا هم من أنفسهم، ولكنهم لم يحاكموا، ولم يحكم عليهم بالإعدام، فإلى أن يصلح القانون إن كان فيه نقص يجب أن يتمتعوا ولو بأقل ما يتمتع به الإنسان من ضرورة الحياة.
ولكني أعود فأكرر على مسامعي أني أتيت للرياضة ولم آت للدرس، فويح نفسي من نفسي، ولا سبيل للرياضة الحقة إلا إذا خلعت نفسي إن عزمت على الرياضة، وحبذا هذا لو كان في الإمكان. •••
وقضينا في الطور ثلاثة أيام كثلاثة الحجر الصحي، ننعم فيها بالعيشة البسيطة، ونهرب من تكاليف الحياة، ونمعن مرة في الصحراء، ونمشي مرة على هامش البحر، ونرقى جبلا ونهبط واديا، حتى مرت كأنها حلم لذيذ.
واعتزمنا العودة فأخذنا على أنفسنا أن ننعم بمنظر لم نره في المجيء.
قمنا قبل الفجر والطبيعة كلها نائمة والقمر قد أضناه السير فعلا وجهه الشحوب، وأدى رسالته فاعتزم الراحة، وعلم بقدوم أمه الشمس فأخلى لها الطريق، وسارت سيارتنا تقلق السكون بأزيزها، وبدت تباشير الصباح، ومحت آية النهار آية الليل، وطلعت الشمس فأضفت على الكون من شعاعها الذهبي الجميل، وعادت مناظر الصحراء والماء تعرض علينا من جديد، من غير أن تفقد شيئا من روعتها الأولى وجمالها، وكانت فصول الرواية طويلة غير مملولة، وصحبنا الشمس في كل حالاتها، واستقبلنا القمر في طلعته كما ودعناه في غيبته.
وتزودنا من محاسن الطبيعة ما تزودنا، وقربنا من خالقها ما استطعنا.
ثم ها هي أضواء القاهرة وضوضاؤها تردنا إلى حياتها المعقدة وتكاليفها الشاقة، وها هم باعة الجرائد يتصايحون يذكروننا بما نسينا من شئون الحرب وويلاتها، وها هي أماكننا المحدودة وأبنيتنا المتلاصقة تحجبنا عن الطبيعة وجمالها، وها هي حياتنا الأولى تعود سيرتها وتتكرر نغمتها، حتى تسنح لنا الفرصة فنفر منها في رحلة أخرى إن شاء الله.
| صورة قضائية تاريخية (2)
حادثة ارتجت لها مصر أشهرا، وتأثر بها القضاء أثرا بالغا، واضطرب لها الرأي العام اضطرابا هائلا، وارتبكت فيها السلطات الثلاث ارتباكا بينا، ودلت وقائعها على الفرق البعيد بين حياة الناس في ذلك الزمان وحياتهم الآن.