تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصبحنا فارتدنا البلد، أبنية حديثة جميلة نظيفة متفرقة، بنيت كلها على أساس فكرة «المحجر الصحي» حيث يعود الحجاج يقيمون فيه أياما للتحقق من صحتهم، فهذه حجر الحجاج، وهذه بيوت الأطباء، وهذه المباخر للتعقيم، وهذه أبنية الموظفين لخدمة هذه الفكرة، ودعانا الشوق إلى ارتياد مكان نزلنا فيه حين عدنا من الحج منذ ثلاث سنين، فاستعدنا ذكريات الحج ومن صحبنا وما لقينا، وكيف كنا في سجن لطيف لا نقدر على ما نقدر عليه اليوم من الطواف في البلد ورؤيته.

وعلى مدى الطرف رأينا مكانا يعج بالناس، عليه حراس أقوياء، شاكو السلاح. - ما هذا أيها الدليل؟ - إنه مجمع المجرمين الخطرين، خيف منهم أثناء الحرب، فتحري عنهم في أنحاء القطر بشهادة العمد والمشايخ وأمثالهم، وجمعوا جموعا وأرسلوا إلى هذا المحجر تباعا، ألف وراء ألف يقدمهم ألف حتى زادوا على ثلاثة آلاف، وهم متخصصون في نواح من الإجرام مختلفة: منهم المتخصص في القتل، ومنهم في تسميم المواشي، ومنهم في المكيفات، ومنهم في السرقة، إلى ما شئت من أنواع الإجرام، قد بلغ من مهارتهم أنهم يجرمون ويختفون ولا تثبت عليهم التهمة فيعاقبوا، فلم يكونوا في السجون، أو حكم عليهم بمدد انتهوا منها، ويخشى أن يعودوا إلى ما ارتكبوا، وليست الحكومة فارغة لهم حتى تفكر في شئونهم مع تحملها أعباء الحرب بل خشية الحرب، فحشدتهم إلى الطور حتى تأمن شرهم وتوفر على الناس ويلهم. - ولكن لماذا اختاروا لهم هذه البقعة؟ - اختاروها لبعدها وانقطاعها، حتى يسهل مراقبتهم، ويصعب فرارهم، ولعلهم اختاروها لأنهم سيكونون على بعد أمتار من الحجاج، فيكون في البقعة أطهر قوم وأخبث قوم، فلعل بركة الحجاج تنضح على خبث المجرمين فتزيل إجرامهم وتمحو الشر من نفوسهم، كما يذهب الماء الطهور بالخبث.

وأحسست بما يجذبني نحوهم، فقربت من سورهم بقدر ما يسمح النظام بالقرب منهم، ومشى أمامى «تابور» منهم عند عودتهم من عمل كلفوه، فتفرست في وجوههم وقرأت في سحنهم، ورثيت لحالهم، ووددت لو سمحت الظروف بأن أعاشرهم، وأدرس نفسيتهم، وأقف على خواطرهم، وكيف يأكلون ويشربون، وكيف يتحدثون - إذا لكان كل هذا مادة خصبة للأديب والنفسي والاجتماعي، يشرفون منها على مجال فسيح في الأدب والنفس والاجتماع.

ورأيت بعض شبابيكهم عريت منها أخشابها، فسألت عن سبب ذلك، فعلمت أنهم أحيانا يعوزهم الدفء فيقلعون أخشاب الشبابيك يستدفئون بنارها، وأحيانا يعوزهم التدخين على نمط خاص فيأخذون عوامات السيفونات يتخذون منها «جوزة» للتدخين، إلى كثير من أمثال ذلك، ولولا أصحابي لوقفت بجانبهم طويلا أعيش في لذة الدرس لأحوالهم ومعيشتهم وبؤسهم والبؤس منهم.

أيتها النفس، لقد جئنا للرياضة وخلفنا الدرس في القاهرة، فارأفي بنفسك وتروضي ولا تدرسي.

وهذا دير كبير من سلسلة أديار في الصحراء، يدل حسن موقعها على دقة ذوق منشئيها، فقد عرفوا خير الأمكنة ينعمون فيها بالهدوء، ويقربون فيها من الله، أرهف حسهم فلم يحتملوا أباطيل الدنيا، وفشلوا في الدنيا فأدركوا أنهم خلقوا للآخرة، وخافوا أن تغويهم زخارف الحياة فهربوا إلى حيث تنقطع عنهم أسباب الغواية، وقاسوا أبعاد الدنيا وأبعاد الآخرة، ووزنوا لذائذ الدنيا ولذائذ الآخرة، وحاولوا أن يجمعوا بين الأبعاد المختلفة واللذائذ المختلفة، فرأوا من اختلاف طبائعها ما يحيل الجمع بينها، ففضلوا ما يطول على ما يقصر، وما يبقى على ما يفنى، وصدمتهم الدنيا صدمة عنيفة ففروا منها حتى لا تتكرر، ولفظوا الحياة أو لفظتهم الحياة فعاشوا على هامشها، وثاروا على الطبيعة الإنسانية فهربوا من العمار إلى الخراب، ولكن سرعان ما خضعوا للطبيعة، فأخذوا يعمرون الخراب، وينشئون من الصحراء جنانا تزهر بالنخيل والأعناب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٤