تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا هو قانون الطبيعة منذ خلق الإنسان، يجري الناس شوطا، فيلهم القادة فكرة أو أفكارا يستلزمها الرقي، فيعارضها أعداء الرقي، ثم يموت الدعاة والمدعوون ويموت النزاع وتسود الفكرة، ثم يتجدد تمثيل الرواية.

ولو وقف الأمر عند هذا الحد لكان طبيعيا، ولكن الناس بجهلهم يخلقون معسكرات غير طبيعية تدعو إلى النزاع غير الطبيعي، فيفتحون مدارس تعلم على أنماط مختلفة، فتخلق عقليات مختلفة، ويعددون النظم التي تخلق مطامع مختلفة، ويشرعون نظما اقتصادية تكون طبقات متعادية، إلى أمثال ذلك، فيكثر العداء بين الأفكار ويضيع جهد المصلحين في التقريب بين العقليات، مع أن عوامل التبعيد الأساسية لا تزال تعمل عملها.

والأمة العاقلة التي يدرك قادتها هذه الحقائق تقضي على عوامل هذه الاختلافات، ولا يبقى لديها حرب في الآراء إلا ما تقضي به الطبيعة مما يتفق وتقدم الزمان.

| رحلة! ...

- إلى أين - يا قائد الرحلات - رحلتك هذا العيد؟ - إلى الطور. - فليكن. «وشددنا رحالنا»، ولكن هذا تعبير لا يعجبني، فقد كان تعبيرا صحيحا أيام الجمال والرحال، أما الآن فلم نركب جمالا ولم نشد رحالا، وإنما أعددنا السيارات، واختبرنا الآلات، وزودناها بما يكفي من ماء وبنزين، فلنعبر عن ذلك كله تعبيرا واقعيا لا تقليديا.

وسرنا على بركة الله نضرب في الصحراء، ونقطع في عشر ساعات ما كانت تقطعه الإبل في عشرة أيام، ولكن ما أعجب العرب! كانوا يركبون الإبل فبلغوا الغاية في التعبير عنها، وعرفوا أجزاءها، وسموا أعضاءها، ووصفوا كل شيء فيها، وأنشأوا حولها أدبا استوفوا فيه كل معنى رائع وقول جميل، حتى لم يتركوا من بعدهم فيها قولا لقائل، وأتينا بعدهم فلم نستطع - مع حضارتنا وتقدمنا وزعمنا إرث العرب - أن نضع أسماء عربية لأجزاء السيارة، ولا أن ننشئ حولها أدبا، لا رائعا ولا غير رائع، واكتفى خبراؤنا أن ينقلوا أسماءها الإفرنجية، كما نقلوا مسماها الإفرنجي، وأخذنا نصوغ عبارات الإبل للدلالة على سير السيارات، وهكذا نحن عالة على الأوربيين في المسمى، وعالة على قدامى العرب في التعبير عنها، فمتى نشعر بالاستقلال؟

ما لنا ولهذا؟ فقد قطعنا الطريق البديع يجمع بين السهول الفسيحة، والوديان تكتنفها الجبال الجليلة ذات الألوان البديعة، نقرب من البحر فنؤخذ بزرقته وتموجه وحركته، ونبعد عنه فنؤخذ بألوان الأرض المختلفة وجمال وشيها وسكونها، وينظر جميعنا إلى ذلك كله نظرات متفاوتة حسب تفاوتنا في ثقافتنا، هذا عالم جيولوجي يقرأ في كل لون دلالة على نوع من المعدن، وفي كل طبقة دلالة على الأعمار، وهذا أديب لا يعنيه من كل ذلك إلا جمال المنظر وجلاله، وروعته وبهاؤه، وموسيقاه ونغماته، وهذا اقتصادي يقرأ في كل صفحة تطالعه منجما مجهولا وثروة ضائعة، يعلم ويندم، ويدرك ويتحسر، وكلنا يلقي خطرات من فيض علمه أو فيض أدبه، وكلنا يأنس بالطبيعة ويستوحيها ويستوعبها، ومن حين إلى حين ندع الطبيعة وحقائقها وجمالها، ونستمع إلى حديث يسرنا بأفانينه، ويؤلمنا بإعادتنا إلى ما هربنا منه.

وكان جميلا منظر الغروب في الصحراء والماء، وحنت علينا الشمس فأخذت تلعب أمامنا ألعابا مدهشة! وآخر ما فعلت أن رسمت لنا في السماء لوحة عجيبة في ألوانها ورسومها وتخطيطها، فلم تدع لونا إلا عرضته في دقة وإحكام، وجمال وانسجام، ورسمت لنا أشكالا فوق الهندسية، تسحر النفس، وتأخذ باللب، ثم أشفقت علينا أن نجن بإبداعها فأسرعت في الاحتجاب، وأرسلت إلينا ابنها البار القمر، فلم يلعب بالألوان لعبها، ولم يتفنن في الأشكال أفانينها، ولكن لونه الفضي الواحد جميل في الماء، جميل في الصحراء، وادع في غير عنف، هادئ هدوء الليل، ملهم إلهام الحب. •••

هذه هي «الطور» أرخى عليها الليل سدوله، وكساها من غموضه فلا ترى إلا أشباحا: شبح أحجار، وشبح أبنية ، وشبح شجر، فلندعها في غموضها وسدولها حتى تأتي إلينا الشمس القوية ثانية فتمزق حجبها، وتكشف أستارها، ولننم الآن نحلم بجمال ما رأينا، ونذوق ما ادخرنا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٣