تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل هذا كان دعاة التجديد والإصلاح في كل أمة وفي كل عصر نادرين جدا، وندرتهم لم تأت من ندرة الذكاء، وإنما أتت - في الأغلب - من ندرة احتمال العقل الصبر على البحث وراء الحق، وندرة الشجاعة في اعتقاد الحق والجهر به، فالناس - إلا في القليل النادر - يألفون الحياة كما هي لا كما ينبغي أن تكون، وهم بين من لا يجد زمنا إلا لتحصيل قوته، ومن يجد الفراغ ولكن لا يستطيع عقله الصبر على البحث الحر، أو يجد كل ذلك ويستطيعه، ولكن لا يستطيع الجهر به لما يتوقع من متاعب وآلام: من مساس بسمعته، وقدح في ذمته، وتهكم على عقله، وتجريح لخلقه، ونيل من دينه.

والتاريخ يجري على نمط واحد منذ تكونت الجمعية البشرية إلى اليوم، يلمع فيها أفراد قلائل في كل عصر، يخرجون على إلف الناس وما اعتادوه في أفكارهم وعقائدهم وعواطفهم، فيتألب عليهم جمهور الناس، لكسلهم العقلي، ولأن الدعوة الجديدة تقلق راحتهم وتدعوهم إلى قلب نظامهم العقلي والعاطفي، كالذي يدعو كسلان أن يغير نظام بيته أو نظام معيشته، وبدلا من أن يوجه غضبه إلى نفسه، لكسلها أو جمودها، يحول غضبه على من سبب له هذا القلق، ثم لا يقتصر على محاربته بالأساليب الشريفة، بل يحاربه بكل سلاح، ولا يتورع عن أن يختلق عليه ويتهمه بما يستطيع من تهم، ويرى أن كل وسيلة تفضي إلى قتل هذه الفكرة الجديدة جائزة ومشروعة، فإذا وصل إلى هذا الغرض بإعدام الفكرة أو إعدام قائلها، اطمأن واستراح؛ لأنها تتفق مع طبيعته في الكسل، واستنامته إلى ما ألف.

وقد اعتدنا أن نجد مسألتين تتصلان بهذه الظاهرة التاريخية:

الأولى:

أن أكثر من يناصر الفكرة الجديدة يكونون عادة من الشباب، أو من ينتفع بها من الطبقات والأفراد؛ وتعليل ذلك واضح، فالشباب لم تتجمد بعد شبكة أفكارهم، ولا يزال فيها مرونة تصلح لأن تتقبل شيئا جديدا، كما تصلح للتشكيل الجديد، ولأن عواطفهم الحارة ترحب بالشيء الجديد الذي يتطلب منهم عملا وقوة ونزالا، وأما من ينتفعون بالفكرة فأمرهم واضح، فقد ارتبطت الفكرة بمصالحهم، فهم يؤيدونها لما وراءها من مغنم.

والثانية:

أننا نرى - في الغالب - تأييد السلطات للفكرة القديمة ومناهضتهم للفكرة الجديدة، سواء كانت الفكرة الجديدة تمسهم مباشرة أو لا تمسهم؛ وسبب ذلك أن السلطات في الغالب تتطلب السلامة أكثر مما تتطلب التقدم، والرأي العام والسواد الأعظم من الناس يناصر الأفكار القديمة لما أسلفنا، فالسلطات يهمها - محافظة على السلامة والطمأنينة والهدوء - أن تغضب على من يغضب الرأي العام ويقلق راحته؛ لأن في راحة الجمهور راحة السلطات، ولأن السلطات كالأفراد أحب شيء إليها راحتها من التفكير ومن وجع الدماغ، الفكرة الجديدة تحمل في ثناياها حربا وحركة واضطرابا وانقساما إلى معسكرات، وذلك يتطلب مجهودا من السلطات كانت في غنى عنه، فهي أيضا تغضب على من سبب لها هذا القلق والاضطراب ودعاها إلى التفكير ورسم الخطط.

لهذا كانت عظمة المصلحين في تحملهم هذه الصعاب كلها أكثر من عظمتهم في العثور على الحق؛ لأن عثورهم على الحق تم في هدوء بينهم وبين أنفسهم، أما تحقيق هذا الحق فلا يتم إلا بكل هذه المصاعب التي ألممنا بها.

ومع هذا فإنا نرى أن الأفكار الجديدة الصالحة تبقى على الرغم مما لاقت من صعاب، وعلى الرغم من موت دعاتها، بل إن موت دعاتها يخفف من غضب المعاندين للفكرة؛ لأن السواد الأعظم من الناس لا يستطيع الغضب على المعاني ما لم تجسم في شخص، فإذا مات هذا الشخص الحسي فترت قوة المعارضة للمعاني، ويأتي جيل الشباب الذي اعتنق الفكرة الجديدة، فيكتسح الجيل القديم المعارض، ويتبوأ مراكزه في الحكم وفي العمل، فتسود أفكاره، حتى تبلى أفكاره هو أيضا، ويمثل الدور من جديد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٢٢