واستحر الحديث، حميت الرءوس، وتحفز الكثيرون للكلام في الموضوع وتأييده والرد عليه، وما نشعر إلا والنور قد انطفأ، وأتى من يخبرنا أن الأسلاك تماست ولا أمل في إصلاحها الآن، وكثيرا ما حدث مثل هذا، فمشكلة النور في «اللجنة» مشكلة مزمنة، وكل يوم تفسد الأسلاك وتصلح، وحتى هي الأخرى محتاجة إلى خبير أجنبي يصلحها صلاحا لا فساد معه.
فإلى اللقاء!
| عذاب المصلحين
قرأت قوله تعالى:
أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون .
وقرأت حديث ورقة بن نوفل مع رسول الله، إذ حدثه الرسول بما نزل عليه من وحي، فقال له ورقة: «ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك»، قال رسول الله: «أومخرجي هم؟!»، قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي».
وقرأت كثيرا من سير المصلحين المجددين، فرأيت أكثرهم - في اضطهاد الناس لهم - سواء، ورأيت تاريخهم يكاد يتشابه، دعوة حارة إلى الإصلاح، يتبعها تألب العامة عليهم، واضطهاد الرأي العام لهم، والتنكيل بالمصلح، ثم انتصار الأفكار الجديدة التي أتى بها هذا المصلح، بعد أن يكون قد انهدت قواه، أو انتقل إلى رحمة الله.
لماذا كل هذا؟ ولماذا يتشابه التاريخ حتى كأنه قانون طبيعي؟ ولماذا يتكرر هذا المنظر في الشرق والغرب وكل مكان حل به الإنسان؟
السبب في هذا أن الفكرة الجديدة تأتي وقد التأمت أفكار الناس على نمط خاص، وتجمعت وشد بعضها بعضا وتماسكت حلقاتها.
تأتي الفكرة الجديدة غريبة عن هذه الأفكار المألوفة فلا تجد لها مكانا بينها، ولا تجد نفسها منسجمة مع الأفكار الموجودة، ويشعر الناس أن هذه الفكرة نابية عن أفكارهم، غير منسجمة مع النظام العقلي الذي استقر في أذهانهم، فيكرهونها، ويقفون في سبيلها، وكلما كانت الفكرة الجديدة أبعد عن المألوف كانوا لها أكثر كراهية ومقتا، وأشد تحمسا لمناهضتها وطردها أو القضاء عليها.
إن أفكار كل إنسان تبنى بنيانا بطيئا مما رآه وسمعه وقرأه وصادفه في حياته، وهي مع تكونها في أزمان مختلفة تكون وحدة منسجمة، ولا تقبل أن يزيد عليها إلا ما لاءمها وانسجم معها، فإذا رأت فكرة جديدة لا تلتئم مع هذا النظام المحبوك، ولا تستطيع أن تكون حلقة في الشبكة العقلية المنسوجة طوردت وأقصيت، ثم إن هذا النسيج من الأفكار يشعر أنه إذا أتت الفكرة الجديدة الغريبة عنه ودخلت فيه أفسدت نظامه وأقلقت راحته، فهو يصدها ويقف في سبيلها ولا يسمح لها بالدخول، كطائفة من الدجاج مؤتلفة منسجمة نشأت في بيت واحد ثم دخلت عليه دجاجة جديدة لم تنشأ في بيئتها ولم تعتد عاداتها، فهي تطارد وتبعد عن الحب وتنقر وتعذب.
ثم إن المخ يشعر أنه إن قبل هذه الفكرة اقتضته تعديلا في نظامه، وتجديدا في أوضاعه، وتغييرا في نسيجه، ومجهودا كبيرا في إعادة ترتيب القديم والمألوف، وهذه عملية شاقة لا يرتضيها العقل في سهولة ويسر، ولا سيما أنه يشعر أن الفكرة الجديدة ستكلفه إعادة تقويم الأشياء ووزنها وزنا جديدا، وهو قد استنام إلى ما حدث وألف ما كان.
ومخ الإنسان - وهو مركز عقله - أحدث الأعضاء وجودا في الإنسان، ومادته التي يتكون منها رخوة هينة لينة، لم تتصلب تصلب الأعضاء القديمة في أسلافنا من الحيوان كاليد والرجل ونحوهما، ومن أجل هذا كان المخ أشد الأعضاء حساسية بالتعب وكراهية لمداومة العمل، وليس من الناس إلا القليل القادر على إعمال العقل وتحريك المخ زمنا طويلا، والفكرة الجديدة تكلف المخ عناء شديدا في قبولها، لما يترتب عليها من أعمال كثيرة، ولذلك هو يرفض كل هذا العناء فيرفض الفكرة ويستريح، ولذلك كان أكثر الناس يخافون التفكير؛ لأنه مؤلم لهم، فما يبدأ فيه حتى يشعر بانقباض في صدره، وصداع في رأسه، وما أقل من يجد في التفكير لذته.