تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا البنفسج يحتفلون به كل الاحتفال، وباكورته لا تهدى إلا لخليفة أو وزير أو أمير، وتجعل منه طاقات تدور بها فتيات جميلات في الشوارع والأسواق، فيأخذ المشتري من الفتاة زهرة، ويمنحها ما شاء من دراهم، وعنوا به عناية فائقة في غرسه وسقيه واختبار منبته، لرقة طبعه ولطف مزاجه.

وهذا الورد أصنافه لا تعد ولا تحصى: منها الأبيض الخالص البياض، والأبيض المنقط بصفرة، والأصفر الذهبي، والأحمر القاني، والأحمر الفاتح، والأحمر القريب من السواد، والورد الألفي سمي بذلك لكثرة ورقه، حتى ظنوا أنها تبلغ الألف مبالغة، ومنه نوع نصفه أحمر ونصفه أبيض، أو نصفه أحمر ونصفه أصفر، وورد خارجه أحمر وداخله أصفر، وسموه الورد الموجه، وفيه يقول بعضهم:

ووردة جمعت لونين خلتهما

خدي حبيب وخدي هائم عشقا

تعانقا فبدا واش فراعهما

فاحمر ذا خجلا واصفر ذا فرقا

وكان بعض باعة الورد يدخنون الورد الأحمر بالكبريت على أشكال مهندسة فيبيض مكان دخان الكبريت، ويكون له نقش عجيب، ويدعون أن ذلك طبيعي، فيبيعونه للمغرمين بالورد بأثمان عالية.

وهذا النرجس أحبوه وفتنوا به، وحسنوا نوعه، وقالوا: إن خير أنواعه النرجس المضاعف والنرجس الدمشقي.

وتأمل فيما ذكره المسعودي في وصف «بستان النارنج» قال: «وكان للخليفة القاهر بستان من ريحان وغرس من نارنج قد حمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند، قد اشتبكت أشجاره ولاحت ثماره، من أحمر وأصفر وأزرق وغيرها، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزهر، وقد جعل مع ذلك في الصحن أنواع الأطيار من القماري والشحارير والببغاء، مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار، وكان «القاهر» أكثر جلوسه فيه، وكل شربه عليه». •••

ثم بلغ من ولوعهم بالأزهار والثمار أن كان لها بين الظرفاء والمحبين والمتيمين لغة متعارفة تدل على الهجر والوصل، والدعوة والتحذير، والتفاؤل والتشاؤم، وما إلى ذلك.

فأحيانا يتخذون هذه المعاني مما يرمز إليه اسم الزهرة أو الثمرة، فكرهوا التهادي بالسفرجل لأن أوله سفر، قال الشاعر:

أهدت إليه سفرجلا فتطيرا

منه وظل متيما مستعبرا

خاف الفراق لأن أول اسمه

سفر فحق له بأن يتطيرا

وكرهوا كذلك التهادي بشقائق النعمان؛ لأن أوله شقاء، وفي ذلك يقول الشاعر:

لا يحب الشقائقا

كل من كان عاشقا

إن نصف اسمه شقا

ء إذا فهت ناطقا

ويكرهون التهادي بالذهب حتى لا يعتري العشق ذهاب، ومن ذلك كراهتهم للتهادي بالسوسن؛ لأن أول اسمه سوء، والياسمين لأن أوله يأس، والخلاف لدلالته على الخلاف، والبان لدلالته على البين وهكذا، وقد وردت في ذلك أشعار كثيرة.

وكثيرا ما كانت تخرج الجارية ومعها حارس فتصطحب طاقة من أزهار ورياحين، ثم تشير لصديقها خلسة بما تريد مما يدل عليه نوع هذا الزهر أو هذا الريحان، فتشير - مثلا - بالنمام إلى أن حارسها نمام، وهكذا.

ويتفاءلون بالتهادي بالعود؛ لأن في اسمه معنى العودة، وبالنبق لإيمائه إلى البقاء كما قال الشاعر:

أيا أحسننا خلقا

ومن فات الورى سبقا

تفاءلت بأن نبقى

فأهديت لنا النبقا

فأبقاك إله النا

س ما سرك أن تبقى

وأحيانا يرمزون بالزهر أو الثمر، لا من حيث ما يدل عليه لفظه، ولكن من حيث ما يدل عليه معناه أو ترمز إليه صفاته، فكرهوا التهادي بالأترج؛ لأن ظاهره غير باطنه، فهو حسن الظاهر حامض الباطن، طيب الرائحة مختلف الطعم، قال الشاعر:

أهدى له أحبابه أترجة

فبكى وأشفق من عيافة زاجر

خاف التلون إذ أتته لأنها

لونان باطنها خلاف الظاهر

ورمزوا بالبنفسج للوفاء والمحافظة على العهد، قال الشاعر:

أهدت إليه بنفسجا يسليه

تنبيه أن بنفسها تفديه

وإلى قريب من هذا المعنى يرمز بعض الإفرنج، ففي إهدائه معنى اذكرني ولا تنسني، ولا أدري من أي صفات البنفسج اشتقوا هذا المعنى إلا أن يكون مجرد مواضعة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣١٨