وأما الورد فاستعملوه كثيرا أداة للتحية، قال الشاعر:
عشية حياني بورد كأنه
خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
وتطير منه بعضهم؛ لأنه قليل اللبث، سريع الفناء، وفي ذلك يقول القائل:
أنت ورد وبقاء ال
ورد شهر لا شهور
يذهب الورد ويفنى
وإلى الآس نصير
ورمزوا بالورد الموجه للتهتك والحب للمال، فيشير به المحب للقينة المغنية بأنها لا تفي بحب، إنما تحب المال.
ويرمزون بالطرفاء إلى أن صاحبها عشق فذبل فاصفر، فهو يحملها استعطافا، يشكو الألم ويستجدي الرحمة. •••
ومما يتصل بهذا الباب ما شاع عندهم من صنع تماثيل من العنبر يمثلون فيها أشخاصا أو طيورا أو أزهارا أو حيوانات، ويكسون بعضها بالذهب، ويضعون فيها فصوص الأحجار الكريمة، يبتاعها الناس للتهادي، ويرمزون بها لغرض يرمون إليه.
وقريب من هذا - وإن لم يكن رمزا - ما حكى بعضهم أنه رأى بين يدي بعض الكتاب طبق ورد أحمر قد كتب فيه بورد أبيض، وما حكى آخر أنه رأى طبق ريحان كتب فيه بياسمين ونسرين.
أما التفاح فقد تفننوا فيه أكبر تفنن، وحملوه أنواع الرسائل، وجعلوه يمثل أعظم دور في الحب والغرام، وساعدت حمرته وصفرته أن يتلاعبوا به، حتى بلغ من حب بعض الظرفاء له أن حرم على نفسه أكله؛ لأنه تمثل فيه حبه، وحتى بلغ من تفنن الهواة أن كان بعضهم يبتدر التفاح وهو على شجره، فيشير فيه إشارة، أو يكتب عليه شعرا، حتى إذا نضجت التفاحة كانت صفراء والإشارة أو الكتابة عليها حمراء أو العكس، فيتهادون بها أو يبيعها البستاني بالثمن الكبير، وقد قال الشاعر في تفاحة صفراء كتب عليها بالأحمر:
تفاحة صيغت كذا بدعة
صفراء في لون المحبينا
زينها ذو كمد مدنف
بدمعه إذ ظل محزونا
وتصوف فيها بعض العشاق، فقرأ فيها رمز الجمال، واتخذها أنيسا في خلوته، جليسا في وحدته، نديما على الشراب إذا عدم الندمان، وأهداها المحب رسول الغرام، وشفيع الهوى، وأهدتها الحبيبة دليل الرضا وانتهاء الجفا:
لما نأى عن مجلسي وجهه
ودارت الكأس بمجراها
صيرته تفاحة بيننا
إذا ذكرناه شممناها
واها لها تفاحة أشبهت
خديه في بهجته واها
ذكرتك بالتفاح لما شممته
وبالراح لما قابلت أوجه الشرب
تذكرت بالتفاح منك سوالفا
وبالراح طعما من مقبلك العذب
هذا قليل من كثير مما ورد في الأدب العربي في هذا الباب.
| حديث الخميس (1)
كانت جلسة طريفة، جلسة الخميس الماضي في «لجنة التأليف» ضمت طائفة من خير رجالنا، ومن بعض إخواننا السوريين، وتشقق الحديث وتنوع وذهب فنونا، إلى أن انتهى المطاف بنا إلى الشرق وشئونه.
قال أحدنا: إن أشد ما يؤسفني من حالة الشرق الآن أن أمامه فرصا نادرة، ثم هو لا يعرف كيف ينتهزها، كل أمم الأرض تدرس موقفها واحتمالات نتائج الحرب الحاضرة وترسم خطتها لمستقبلها، وتكلف علماءها وقادتها أن يدرسوا شئونها، وما كشفته الحرب الحاضرة من عيوب نظامها، وما تقترح في المستقبل من معالجتها هذه العيوب، وما تؤمل من نظم جديدة لإصلاح هذه الأمراض، فهم يجمعون الإحصاءات، ويتقصون المشكلات، ثم يضعون الخطط، ويرسمون طرق التنفيذ، أما الشرق فلم يعبأ بكل ذلك، وترك الأمور للقدر يسيرها كيف شاء، كأن الحرب لا تعنيهم، وكأنها لا تقرر مصيرهم، وكأن الأمم لا تتقاتل عليهم، فلو سألت قادتهم: ما خطتكم المستقبلة، وماذا تؤملون، وماذا تفعلون، لتبلغوا ما تريدون؟ لم يحيروا جوابا، كأن السؤال لم يخطر لهم بال. - هل هناك حاجة لمثل هذه الأسئلة؟ إن الغاية واضحة وهي الاستقلال، كفى به مطلبا. - الاستقلال - يا أخي - كلمة عامة لا يصح أن يكتفى بطلبها، والمناداة بها من غير بحث وتفصيل، هي كخطيب الجمعة يقول: اتقوا الله واعملوا صالحا، من غير بيان لما هو العمل الصالح المحدود المبين الذي يدعو إليه، خذ لذلك - مثلا - استقلال سوريا، فهم حين بدءوا يخرجونه إلى حيز العمل ظهرت مشاكل عدة: ما هي حدود سوريا؟ وكيف تحكم؟ وما موقف أجزائها المختلفة؟ ونحو ذلك، فإذا فصلت الأمور ظهرت عيوبها ومشاكلها، وتطلبت هذه المشاكل وهذه العيوب حلولا. - وماذا تطلب من الشرقيين أن يفعلوا؟ - أطلب أن يتناسى قادة كل أمة الخلافات الشخصية بينهم، ويجتمعوا ويتشاوروا في مستقبلهم، ويضعوا الخطط التي يكسبون بها من ظروفهم الحاضرة، فليس يكفي تدبير الغذاء وضبط الأسعار، إنما لا بد من حصر ما نشكو منه وما أبانت الحرب الحاضرة من سوء موقفنا، ثم الإجابة عن هذه الأسئلة: كيف نتقيها؟ وكيف نسلك السبيل لملاقاتها وما واجبنا الآن نحوها؟ وما واجبنا بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ فإذا فرغ قادة كل أمة من ذلك التقوا بقادة الأمم الأخرى الشرقية، فتفاهم الجميع على الخطط المشتركة الممكنة، ورسموا مدى التعاون فيما بينهم، وأعلنوا ما يصح إعلانه في ذلك لأممهم، فإن في كل أمة شبانا ملئوا وطنية وحماسة وإخلاصا، ولكنها حماسة غامضة، حماسة حائرة لا تعرف أين تتجه، وهم يتطلعون يمينا ويسارا إلى قادتهم فلا يجدون منهم مرشدا. - إني أفهم قولك فيما يتعلق بكل أمة، ولكن أصارحك القول أني لم أفهم هذا الكلام فيما يتصل بالأمم الشرقية أو العربية، فلكل أمة مشاكلها الخاصة، هذه فلسطين مشكلتها اليهود، وهذه سوريا مشاكلها طريقة اتحادها، وكيف يكون موقفها من لبنان، وموقفها إزاء فرنسا الحرة وغير الحرة، ومشكلة العراق الخلافات بينه وبين إيران، وتنوع عناصره بين عرب وكرد، وسنية وشيعة، وبدو وحضر إلخ، فكيف تربط هذه الأمم برباط واحد، وتحملها كل هذه المشاكل؟ إنك إن فعلت هذا كنت كمن يكلف عشرة رجال من أرباب الأسر ألا يعنى كل بأسرته، بل يعنى العشرة بالأسر العشر على السواء؛ وفي هذا من الضرر ما لا يخفى، ومن ضياع المصالح ما هو واضح جلي، لهذا لم أفهم الحلف العربي على الصورة التي شرحها الكتاب، خير لكل أمة أن تعنى بشئون نفسها وتجاهد في سبيل نيلها حقوقها، وتتخذ الوسائل التي تراها لترقية أحوالها. - إن اختلاف المشاكل لا يحيل التعاون، فهذه الأمم الأوربية والأمريكية مع اختلاف مواقفها ومشاكلها لم يمنع كل دولة أن تتحالف مع من ترى المصلحة في محالفتها.