تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كم أعمار ضاعت في هذا الباب على غير جدوى، وكم صحائف سودت في هذا الموضوع من غير طائل، وكل هذا مبني على هذا الخطأ في تقديس اللغة.

ما يضرنا أن نستعمل تعبير «من جديد» إذا استسغناه ولو لم يرد في المعاجم؟ وما يضرنا استعمال كلمة «هناء» إذا أقرها أدباؤنا ولو لم توجد في المعاجم؟ ولماذا نفحم في الإجابة إذا قال قائل: إنها وردت في كتاب «العمدة» أو في مقدمة ابن خلدون، ولا يكون لنا الحق الذي كان لابن رشيق وابن خلدون؟!

لقد ظنوا أن «القاموس» نص على كل لفظ عربي، فما لم يوجد فيه فليس بعربي، وهذا غير صحيح مطلقا، فهو لم يذكر «الرحمن الرحيم» في رحم، وقال: «الشنار أقبح العيب والعار» ولم يذكر العار في مادته، وقال في أول كتابه: «الحمد لله منطق البلغاء باللغى في البوادي»، ولم يذكر في مادة لغة أنها تجمع على لغى، وقال في الخطبة أيضا: «فصرفت صوب هذا القصد عناني» ولم يذكر في مادة صوب أن من معانيها الجهة، إلى كثير من أمثال ذلك.

وهب أن العرب لم ينطقوا بها، فلماذا لا ننطق بها نحن إذا جرت على أساليب العرب وأوزانها وأصولها؟!

كل ما في الأمر أن المسألة لا يصح أن تكون فوضى ينطق كل من شاء بما شاء، وإلا انقلبت الحرية إلى عكس المراد منها، فاللغة مواضعات ووسيلة للتفاهم في حدود معقولة، إنما الواجب أن يكون في الأمة متخصصون مرنون أحرار عالمون بالعربية وأسرارها مطلعون على حاجة الأمة ومطالبها اللغوية، يوسعون على الناس في كلامهم وفق أسس اللغة ويضعون لها ما هي في حاجة إليه.

وهذا هو عمل المجامع اللغوية لو أنها قامت بواجبها.

| لغة الأزهار والثمار

مما التفتت إليه الحضارة الإسلامية وتفننت فيه لغة الأزهار والثمار والتخاطب بها، وخاصة في مجال الحب والغرام.

لقد عنوا بالأزهار والثمار، فجلبوا أنواع الأشجار من أطراف الدنيا، وتفننوا في المغارس وطعموها، وولدوا منها أنواعا جديدة، وبحثوا وجربوا وألفوا، ووضعوا التقاويم لما يعمل في كل شهر من شهور السنة لأنواع النبات المختلفة، ثم أنشأوا البساتين حول البيوت وعلى شواطئ الأنهار وفي ضواحي المدن، وبلغت بغداد في ذلك مبلغا عظيما، فخصصوا بعض البساتين لبعض الأزهار أو الثمار، فنرى - فيما يرد من الأخبار - «بستان النارنج» و«بستان التفاح» و«حديقة النرجس» و«حديقة الورد» و«حديقة البنفسج»، وقال ابن وحشية: «إنهم لشدة غرامهم بالنرجس أكثروا من زرعه، وأقاموا له حدائق بذاتها».

وقال المقدسي: «إنهم اعتنوا شدة الاعتناء بالبنفسج، فكان من أحسن ما يمكن، جيد الرائحة، لا يشبهه بنفسج، وغرسوه في حدائق خاصة»، وأحاطوا البساتين بشجر السرو، قال أحمد بن سليمان بن وهب:

حفت بسرو كالقيان تلحفت

خضر الحرير على قوام معتدل

فكأنها والريح حين تميلها

تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل

كما أحاطوها بشجر الخطمي؛ لأنه يتشابك ويعلو نحو القامة وله شوك، ومن أجل ذلك صلح سياجا، وحرسوها بالكلاب الكبيرة القوية الجارحة، جاء في الأغاني أنه قيل لعثمان بن دراج الطفيلي (وكان في أيام المأمون): أتعرف بستان فلان؟ قال: إي والله، إنه للجنة الحاضرة في الدنيا. قيل: فلم لا تدخل إليه فتأكل من ثماره، وتجلس تحت أشجاره، وتسبح في أنهاره؟ قال: «لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال».

وتردد عليها الناس ينعمون بمناظرها وهوائها، ويأكلون من ثمارها، ويشربون تحت ظلالها، وكانت نعمة على الأدب بما أوحت وما ألهمت، ومصداق ذلك شعر أبي نواس وغيره من الشعراء.

وأكثروا من زراعة الأزهار، وأبدعوا في تلوينها وتوليدها، فهذا الخيري (المنثور) كانوا يعرفون منه سبعة ألوان، قالوا: «وقد يركب بعضه على بعض، فيقبل التركيب، ويخرج زهره مركبا في اللون والطبع والريح، ولكن في تركيبه صعوبة، لأنه يحتاج إلى لطافة في العمل وصبر وحذق».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣١٧