لقد قالوا: إن كتاب الصحاح اشتمل على أربعين ألف مادة، والقاموس على ستين ألفا، ولسان العرب على ثمانين ألفا، فما أحوجنا إلى إماتة نصف هذا العدد على الأقل، لنحيي مكانه ما نحن في حاجة إلى إحيائه.
ثم هذه المعاجم اللغوية محتاجة أيضا إلى تقليم من نوع آخر، وهو كثرة ما ورد فيها من تخريف يفسد العقل، ففيها - مثلا - أن: «القاف جبل محيط بالأرض أو من زمرد، وما من بلد إلا وفيه عرق منه»، وفيها: «أن الهرمين بناءان أزليان بمصر بناهما إدريس - عليه السلام - أو بناهما سنان بن المشلشل، أو بناهما الأوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم، وفيهما كل طب وسحر وطلسم» وفيها: «أن أبا عروة رجل كان يصيح بالأسد فيموت فيشق بطنه فيوجد قلبه قد زال عن موضعه»، إلى كثير من أمثال هذا الهذيان.
كل هذا يجب أن يقلم، ويقلم أيضا التفسير الذي كان جاريا على ما كان معروفا أيام المعاجم القديمة ثم تغير بتقدم العلوم، فتفسير الكسوف والخسوف والظواهر الطبيعية والنبات والحيوان وما إلى ذلك كله يجب أن يكون حسبما وصل إليه العلم الحديث، لا حسب ما كان معروفا في العهد القديم.
لسنا في حاجة إلى أن يكون للأسد خمسون اسما وللعسل ثمانون وللسيف أكثر من ذلك، إنما نحن في أشد الحاجة إلى أن يكون لكل شيء تقع عليه حواسنا وكل معنى تصل إليه عقولنا اسم نصطلح عليه ونتبادل به التعبير عنه، ولا يكون ذلك إلا بإغفال كثير مما ورد في المعاجم مما لا نحسه ولا نحتاج إليه، ولا يمس شيئا من حياتنا الواقعية.
فإذا أعدمنا هذا الذي لا نحتاج إليه فتلك عملية التقليم، ثم تأتي بعد ذلك عملية التطعيم بأن نملأ المكان الذي فرغ من إزالة الألفاظ الميتة باستعمال كلمات للدلالة على كل شيء نحسه أو نشعر به أو نفكر فيه، إما بالتعريب والوضع أو توسيع معاني الكلمات القديمة.
وهذا ما فعلته الأمم الحية كلها، وفعله العرب أنفسهم والمستعربون الأولون، لقد كانوا يأكلون الثريد والمضيرة، ثم صاروا يأكلون الفالوذج والسكباج والكباب، فلما أكلوها عربوا أسماءها وأدخلوها في لغتهم، وكانوا يسمعون الصنج والمزمار، فصاروا يسمعون الناي والقانون والبربط، فلما سمعوها عربوها، وكانوا يسكنون في الخيام، فصاروا يسكنون الدور مزينة بالفسيفساء والقاشاني، فلما استعملوها عربوها، وما كانوا يعرفون علما، ثم عرفوه، فواجهوا مصطلحات العلوم من جبر وهندسة ومنطق وطب وفلسفة، فمرنوا لها وتغلبوا على صعوبتها، وجعلوا لكل شيء لفظا منقولا أو مرتجلا أو مشتقا، فكانت لغتهم تطابق معيشتهم.
أفليس غريبا بعد ذلك أن نجمد على ما وصلوا إليه مع أن المدنية والحضارة والعلم والصناعة ووسائل المعيشة لم تقف حيث وقفوا، ونمت أضعاف ما كانت؟
أخطر خطأ في هذا الباب اعتقادنا أن اللغة مقدسة، فنعبدها ونجلها، ولا ندخل عليها تغييرا ولا تعديلا، مع أن اللغة خادمتنا وليست سيدتنا ولا إلهنا، هي التي تخضع لنا، لا نحن الذين نخضع لها، هي عرض من أعراض حياتنا كالثوب نلبسه والمتاع نستخدمه والبيت نسكنه، وكل شيء من ذلك يجب أن يخضع لظروفنا ومقتضيات أحوالنا، يغير الثوب حسب تغير الجسم، ويبدل بناء البيت حسبما تتطلبه راحتنا، ويصلح المتاع حسب موقفه منا: وهكذا اللغة هي آلة خادمة ذليلة للتعبير عما في نفوسنا، نملكها ولا تملكنا، وتقدسنا ولا نقدسها، ويجب أن تموت أجزاؤها وتحيى أجزاؤها وتخلق أجزاؤها حسب حاجتنا، وأن تتشكل لنا لا أن نتشكل لها، وإلا كانت لغة أثرية لا لغة حية.
إن كانت اللغة غير مقدسة فمعاجمها غير مقدسة، يجب أن تخضع لكل تقدم علمي نصل إليه، فتعريف الألفاظ يجب أن يكون حسبما أقره العلم الحديث، واللفظ إذا استعمله جيلنا ولم يكن في المعاجم وجاريا على النمط العربي يجب أن يدون فيها، ولا يحتج بأنه غير موجود في المعاجم القديمة، ولا نصغي إلى هؤلاء المتزمتين الذين يصرخون دائما في وجهنا: «إن هذا ليس في القاموس» كأن القاموس كتاب منزل يتعبد به - إن هذا النمط من القول شل للفكر وعقدة في اللسان وتعويق للأقلام، وحرام ما نحن فيه من ضياع أوقات المدرسين والمفتشين في الجدال في أن هذه الكلمة في المعجم أو ليست فيه، وفي سبيل ذلك تضيع قيمة المعاني والأفكار والأساليب.